الإبادة الجماعية تهدد الكورد

أ.د.خليل مصطفى عثمان

عندما دقّت الصحافة الأوروبية ناقوس الخطر عام 1963

في وقتٍ كان فيه صوت الكورد يُحاصَر داخل حدود الجغرافيا والسياسة، خرجت الصحافة الأوروبية لتكسر جدار الصمت. ففي عددها الصادر بتاريخ 5 تموز/يوليو 1963، نشرت صحيفة Friheten النرويجية مقالًا جريئًا حمل عنوانًا صادمًا وواضحًا: «الإبادة الجماعية تهدد الكورد»، لتكون من أوائل الصحف الغربية التي استخدمت هذا المصطلح لوصف ما يتعرض له الشعب الكوردي في العراق.

العنوان لم يكن توصيفًا إنشائيًا، بل خلاصة قراءة سياسية وإنسانية لواقعٍ دمويّ عاشته كوردستان في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1963، حيث شُنّت عمليات عسكرية واسعة استهدفت القرى الكُردية، رافقها القصف الجوي، التهجير القسري، وتدمير سبل العيش.
تحت عنوان فرعي لافت: «خمسون عامًا من النضال من أجل الأرض والحق»، أعادت الصحيفة ربط ما يجري آنذاك بجذوره التاريخية، مؤكدة أن القضية الكوردية ليست تمرّدًا عابرًا، بل صراع ممتد منذ انهيار الدولة العثمانية، ونتيجة مباشرة لإنكار الحقوق القومية لشعبٍ قُسّمت أرضه بين دولٍ عدة.

ونشرت الصحيفة تصريحًا بارزًا للجنرال مصطفى البارزاني، قائد الحركة الكوردية، قال فيه:

> «نحن لسنا معتدين، نحن نقاتل دفاعًا عن أنفسنا، وسنستمر حتى ترفع الحكومة العراقية حصارها وتقبل بحل سلمي. ما زلنا نؤمن أن الكورد قادرون على العيش بسلام ضمن إطار جمهورية عراقية.»

هذا التصريح، كما قدّمته الصحيفة، يفنّد الرواية الرسمية التي سعت إلى تصوير الحركة الكوردية كحركة انفصالية، ويؤكد أن مطلبها الأساسي كان الاعتراف بالحقوق واللجوء إلى الحلول السياسية لا العسكرية.
وتصف Friheten ما يجري بأنه عقاب جماعي يستهدف السكان المدنيين، لا المقاتلين فقط، محذّرة من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى كارثة إنسانية كبرى. وتشير الصحيفة بوضوح إلى أن تدمير القرى وحرق المحاصيل وتهجير العائلات يمثل نمطًا معروفًا في حروب الإبادة، لا في النزاعات السياسية التقليدية.
لم تُعفِ الصحيفة المجتمع الدولي من المسؤولية، بل حمّلت والقوى الكبرى، ولا سيما تلك التي رسمت حدود المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، جزءًا من تبعات هذه المأساة، معتبرة أن تجاهل القضية الكوردية لعقود هو ما أوصلها إلى هذا المنعطف الخطير.
تكمن أهمية هذا المقال في كونه شهادة أوروبية مبكرة على ما كان يتعرض له الكورد، قبل عقود من الاعترافات الدولية اللاحقة بجرائم الإبادة . وهو دليل واضح على أن مأساة الكُرد لم تكن خافية على العالم، بل كانت مرئية، موثقة، ومعلنة… لكن بلا استجابة.

بعد أكثر من ستة عقود، تعود هذه الصفحة من أرشيف Friheten لتذكّر بأن التحذير من الإبادة قيل مبكرًا، وأن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: لماذا تأخر الضمير الدولي كل هذا الوقت؟

قد يعجبك ايضا