“داروا سفهاءكم”… بين حكمة القيادة ومسؤولية الشراكة السياسية

د.فيصل صادق توفيق
دكتوراه في القانون الدستوري_ دولي

في المشهد السياسي الكوردستاني، كثيرا ما تختبر الحكمة قبل القوة، ويختبر الصبر قبل الخطاب العالي. وفي خضم التوترات المتكررة داخل البيت الكوردي، تعود المقولة القديمة “داروا سفهاءكم” لتفرض نفسها كمنهج في التعامل، لا ككلمة عابرة. وبصفتي عضوا في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أرى ويراه كل منصف من هو خارج منظومة الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن هذه المقولة تعبر بدقة عن الأسلوب السياسي الذي اعتمده الحزب، خصوصا في مواجهة بعض التصرفات والمواقف التي تصدر من الاتحاد الوطني الكوردستاني الند الکلاسیكي للپارتي ، وبعض القوى السياسية الكوردستانية – وحتى العراقية منها- في مراحل مختلفة، سواء داخل حكومة الإقليم أو في العلاقة مع بغداد أو العلاقات الاقليمية المؤثرة بالقضية الكوردية، في الملفات الأمنية والإدارية.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عبر تاريخه، اختار منطق الدولة بدل منطق المزايدات، واختار الاستقرار بدل الصدام، وفضل الحوار على خلق الأزمات. وهذا ليس صدفة، بل جزء من مدرسة سياسية واضحة نابعة من تراث البارزاني الخالد وحتى وابعد من ذلك ، بحيث تقدم المصلحة العامة على المناكفات، وتؤمن بأن البيت الكوردي لا يتحمل التشرذم، وتعرف أن الخصومات الحادة لا تصنع مستقبلًا، وأن القوة الحقيقية تتمثل في القدرة على ضبط النفس. ومن هنا جاءت المقولة: “داروا سفهاءكم”؛ أي لا تسمحوا لتصرفات غير محسوبة، والخطابات التي كثيرا ما تقطع” شعرة معاوية” ايضا، أن تجركم إلى صدام يضر بالشعب، ولا تسمحوا لتلك الخطابات الانفعالية أن تبني جدرانا جديدة بين الأطراف.
شهدنا في السنوات الأخيرة مواقف من الاتحاد الوطني، للأسف، اتسمت بالتناقض والتصعيد غير المبرر، مثل تعطيل بعض القرارات الحكومية داخل مجلس الوزراء، واستخدام الملف الأمني كورقة ضغط، واتخاذ مواقف متناقضة في بغداد وفقا للظرف السياسي لا وفقا لمصلحة الإقليم، والتحريض الإعلامي الداخلي بدل العمل المشترك. هذه التصرفات لا تمثل مدرسة سياسية ناضجة، ولا تعبر عن مسؤولية الشراكة، بل هي مواقف انفعالية تجر الشارع والمشهد السياسي نحو التوتر وهذا ما شهدناه وتكرر المشهد دون الاستفادة منه. وهنا يصبح واجبا على الطرف الأكثر قوة ونضجا—الحزب الديمقراطي—أن يدير الموقف بالحكمة والصبر، لا بالغضب.

في السياسة، كما في المجتمع، الطرف الأكثر تمسكا بالدولة والاستقرار يكون مطلوبا منه أن يتحلى بقدر أكبر من الحكمة. الحزب الديمقراطي يداري لأنه يمثل الشريحة الأكبر من الناخبين في كوردستان، فهو الحزب الاوحد الذي كسر حاجز المليون صوت في الانتخابات النيابية الاخيرة في العراق بشكل عام، ويقود أهم المؤسسات السيادية والخدمية بمسؤولية وحرص ، ويتعامل مباشرة مع المجتمع الدولي على مبدأ مصالح كوردستان اولا واخيرا، ويتحمل مسؤولية الحفاظ على سمعة الإقليم واستقراره. وبالتالي، لا يمكنه أن ينجر وراء ردود الفعل، ولا أن يعامل “المواقف الصغيرة” بمعاملة “المشاريع الكبيرة”. فحين نقول “داروا سفهاءكم” لا يعني أن الحزب الديمقراطي يتنازل عن حقوقه، أو يسمح لأحد بتجاوز حدوده، بل يعني أن الخلافات تحل بالمؤسسات لا بالصراخ، وأن الشراكة تدار بالاتفاقات لا بالمغامرات، وأن الشعب الكوردي يستحق قيادة تضعه فوق كل حسابات حزبية. فالبيت الكوردي أكبر من كل الأزمات، والمرحلة المقبلة تحتاج رؤية مشتركة، انسجاما سياسيا، توحيدا للقرار داخل الاقليم وخارجه استجابة لمطالب شعبية وليكون اقوى وابقى، متجاوزا مرحلة ردود الأفعال بالانفعال. الحزب الديمقراطي سيبقى ثابتا على نهجه، نهج الدولة والاستقرار والشراكة الحقيقية، لكن الشراكة تحتاج طرفا مسؤولا، لا طرفا غارقا في الانقسامات الداخلية والتقلبات السياسية. إن مقولة “داروا سفهاءكم” هي انعكاس لطبيعة القيادة التي يتبناها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، قيادة لا تفقد صبرها، ولا تتخلى عن مسؤولياتها، ولا تسمح لنزق الآخرين أن يقود المشهد، وفي النهاية سيبقى ميزان السياسة واضحا: العقل ينتصر، لا الانفعال، والثبات يكسب، لا المزايدات، ومستقبل كوردستان يبنيه الحكماء، لا السفهاء.

قد يعجبك ايضا