مذكرة الجنرال مصطفى بارزاني إلى الأمم المتحدة (1969): وثيقة اتهام مبكرة في سجل الجرائم الدولية ضد الكورد

أ.د. خليل مصطفى عثمان

تُعد الوثائق السياسية الصادرة عن القيادات التحررية في لحظات الصراع الحاد مصادر أولية ذات قيمة علمية عالية، لكونها تجمع بين الشهادة التاريخية المباشرة والخطاب القانوني–السياسي الموجّه إلى المجتمع الدولي. وتندرج مذكرة الجنرال مصطفى بارزاني الموجهة إلى الأمم المتحدة بتاريخ 11 تشرين الأول/أكتوبر 1969 ضمن هذا الإطار، بوصفها واحدة من الوثائق الكوردية التي تُعرّف الصراع في كوردستان العراق باعتباره حرب إبادة واستعمار داخلي، لا نزاعًا داخليًا عابرًا كما روّجت له الدولة العراقية.
أولًا: التعريف بالوثيقة ومكانتها المنهجية

نوع المصدر: مصدر أولي (Primary Source)

طبيعة الوثيقة: مذكرة رسمية سياسية–حقوقية

الجهة المرسِلة: قيادة ثورة أيلول الكوردية

الجهة المتلقية: منظومة الأمم المتحدة بمؤسساتها الأساسية

من الناحية المنهجية، تكتسب الوثيقة أهميتها من كونها:

1. معاصرة للأحداث (1961–1969).

2. موجّهة مباشرة إلى أعلى مؤسسة دولية.

3. مكتوبة بلغة قانونية تتجاوز الخطاب التعبوي المحلي.
ثانيًا: السياق التاريخي لإصدار المذكرة

جاءت المذكرة في ذروة الحرب التي شنّتها الحكومات العراقية المتعاقبة على كوردستان منذ 11 أيلول 1961. وخلال هذه الفترة، شهدت کوردستان:

تعاقب أنظمة عسكرية–شوفينية.
استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين.
فشل جميع المبادرات السياسية في إيجاد حل عادل للقضية الكوردية.
ويلاحظ أن تاريخ المذكرة (1969) يسبق اتفاقية 11 آذار 1970، ما يجعلها وثيقة ضغط دولي سبقت الحلول المرحلية المفروضة لاحقًا.
ثالثًا: تحليل الخطاب السياسي في المذكرة

1. توصيف الصراع
يصف مصطفى بارزاني الصراع بعبارات دقيقة ذات حمولة قانونية واضحة:
حرب عنصرية
حرب إبادة
عدوان ضد شعب أعزل
وهذا التوصيف يتجاوز اللغة القومية التقليدية إلى لغة القانون الدولي الإنساني.

2. نزع صفة “الشأن الداخلي”
تُفكك المذكرة الادعاء العراقي بأن ما يجري في كوردستان شأن داخلي، من خلال حجة زمنية ومنطقية:

> كيف يمكن لحرب استمرت ثماني سنوات أن تبقى مسألة داخلية؟
وهي حجة تتقاطع مع المفهوم الحديث لـ التدويل المشروع للنزاعات في حالات الجرائم الجسيمة.
رابعًا: البعد الحقوقي والقانوني
تتضمن المذكرة إشارات صريحة إلى:

انتهاك ميثاق الأمم المتحدة
استخدام أسلحة محرّمة (النابالم، المواد الكيميائية)
استهداف المدنيين: نساء، أطفال، شيوخ

وبذلك يمكن تصنيفها كوثيقة:
سبقت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية بسنوات طويلة

خامسًا: الاستعمار الداخلي في الخطاب الكوردي

من أبرز ما يميز الوثيقة هو توصيف الحكم العراقي في كوردستان بأنه:

> أكثر بشاعة من أبغض أشكال الاستعمار
وهو ما يضع القضية الكوردية ضمن إطار الاستعمار الداخلي (Internal Colonialism)، وهو مفهوم لم يدخل بقوة في الأدبيات الأكاديمية إلا في سبعينيات القرن العشرين، ما يعكس سبقًا فكريًا في الخطاب الكوردي.

سادسًا: المذكرة وفشل الاستجابة الأممية

تكشف الوثيقة – ضمنيًا – عن:
صمت دولي مطبق
تجاهل متعمد لمعاناة الكورد
ازدواجية المعايير في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان
وهو ما يجعلها وثيقة اتهام ليس فقط للنظام العراقي، بل أيضًا للنظام الدولي نفسه.
تمثل مذكرة مصطفى بارزاني إلى الأمم المتحدة عام 1969 وثيقة مفصلية في تاريخ القضية الكوردية، إذ تجمع بين الشهادة، والاتهام، والمطالبة بالعدالة الدولية. وهي لا تكتفي بتوصيف المأساة، بل تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية. ومن هنا، فإن إعادة قراءة هذه الوثيقة اليوم لا تحمل قيمة تاريخية فحسب، بل تفتح نقاشًا معاصرًا حول استمرارية الظلم، وتكرار الصمت الدولي، وإعادة إنتاج المأساة الكوردية بأشكال جديدة.

التوثيق (APA)

Barzani, M. (1969). Memorandum on the tragic situation in Iraqi Kurdistan submitted to the United Nations. Primary historical document (Arabic translation from German).
ترجمة الوثيقة نصا:
الجنرال مصطفى بارزاني
القائد العام للجيش الثوري الكوردي
ورئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني (العراق)
11 تشرين الأول / أكتوبر 1969

إلى
صاحب السعادة يو ثانت، الأمين العام للأمم المتحدة،
وصاحب السعادة رئيس الدورة الرابعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة،
ولجنة حقوق الإنسان،
والمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)،
ولجنة تصفية الاستعمار،
ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

يشرفني أن أرفع إلى مقامكم هذا المذكرة حول الوضع المأساوي في كوردستان العراق.

لم يحدث قط في تاريخ الأمم المتحدة، التي تهدف إلى «إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب»، أن جرى تجاهل حرب استمرت ثماني سنوات بهذا الشكل التام، كما هو الحال في الحرب العنصرية التي يشنها حكّام العراق ضد الشعب الكوردي، وذلك رغم نداءاتنا المتكررة إلى أعلى منظمة دولية.

لقد بدأت هذه الحرب العدوانية ضد الشعب الأعزل في كوردستان في 11 أيلول / سبتمبر 1961، ومنذ ذلك الحين تعاقبت خمس دكتاتوريات شوفينية على حكم العراق، وكل واحدة منها واصلت الحرب بأقصى درجات العنف.

إن مدة هذه الحرب تكاد تعادل مدة الحربين العالميتين الأولى والثانية مجتمعتين. أما الأسلحة ووسائل الإبادة التي استخدمتها القوات العراقية فهي من أحدث الأنواع، وتشمل – من بين أمور أخرى – النابالم، والسموم، وجميع أنواع القنابل الحارقة ومواد الحرق.
ويجدر التنويه إلى أن هذه الأدوات التدميرية لم تُستخدم فقط في ذبح البشر وتدمير مساكنهم، بل أيضًا في إحراق محاصيلهم وقتل مواشيهم باستخدام مواد كيميائية قاتلة.

إن السبب الحقيقي لهذه الحرب البشعة هو أن شعبنا يريد الحفاظ على لغته وثقافته ووحدته، ويرفض التغيير القسري لهويته القومية.

إن المجازر، وحرق النساء والأطفال وكبار السن أحياء، وغيرها من الجرائم البشعة التي يرتكبها القادة البعثيون بحق شعبنا، تشكل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة.

لقد عومل کورد العراق دومًا كمواطنين من الدرجة الثانية. وفي ظل الظروف الراهنة، لا يُحرم المواطن الكوردي من حقوقه الإنسانية فحسب، بل إن وجوده ذاته وبقاءه مهددان.

إن سيطرة العراق على كوردستان واستغلالها تظهر وجهًا أبشع حتى من أكثر أشكال الاستعمار كراهية.
وإن كون لون بشرة الحكّام العراقيين داكنًا لا ينبغي أن يكون سببًا لإنكار الطابع الاستعماري لسياساتهم.

كما ينبغي التنبيه إلى أن الحرب في كوردستان اليوم تهدد السلام والأمن في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى.

وبناءً على ما تقدم، وبما أن الدولة العراقية لم تجد لا حلًا سياسيًا ولا حلًا عسكريًا لهذه المشكلة، فإن الحرب التي تُشن ضد شعبنا لا يمكن اعتبارها شأنًا داخليًا – كما يدّعي النظام العراقي – إذ كيف يمكن لحرب مستمرة منذ ثماني سنوات أن تبقى شأنًا داخليًا؟

إنني أجدد ندائي إلى الأمم المتحدة، وإلى لجانها وأعضائها، من أجل:

ممارسة الضغط على دولة العراق لإنهاء الحرب الإبادية في كوردستان،

أو على الأقل اتخاذ قرار بإرسال لجنة تحقيق ومبعوث دولي إلى كوردستان،

والمساعدة في إيجاد حل لهذه المشكلة الحادة التي تهدد الشرق الأوسط بأسره.

وتفضلوا، أصحاب السعادة، بقبول فائق احترامي وتقديري.

مصطفى بارزاني
رئيس المجلس القيادي للثورة – كوردستان

 

قد يعجبك ايضا