سوريا أمام اختبار البقاء

أ.د خليل مصطفى عثمان

لم تعد سوريا تقف عند حافة الأزمة، بل تجاوزتها إلى مرحلة الخطر الوجودي الذي يهدد مكوناتها التاريخية واحدًا تلو الآخر. فالعنف المتصاعد، وتغوّل الجماعات المتطرفة، والتدخلات الإقليمية السافرة، حوّلت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية التنوع الديني والقومي، وفرض واقع سياسي جديد بالقوة.
ما يجري اليوم من استهداف للعلويين والدروز والمسيحيين، إلى جانب الحصار والاعتداءات التي تطال المناطق الكوردية، ليس نتيجة فوضى عابرة، بل يعكس مسارًا ممنهجًا يسعى إلى إعادة تشكيل سوريا وفق نموذج إقصائي لا يعترف بالتعدد ولا يقبل بالشراكة. وفي ظل هذا الواقع، تتآكل مقومات الدولة، وتتراجع فرص العيش المشترك، لصالح منطق الغلبة والعنف. لقد أثبتت الواقع أن الخطابات الأخلاقية وحدها لا تكفي لحماية المجتمعات المهددة، وأن انتظار الحلول الخارجية غالبًا ما يفاقم الخسائر بدل أن يوقفها. فالمرحلة الراهنة تفرض على المكونات المستهدفة الانتقال من موقع الدفاع الفردي إلى التفكير الجماعي، وبناء تنسيق سياسي وأمني يحمي الوجود ويصون المستقبل.

إن انهيار النموذج المركزي للدولة السورية، وتراجع فعالية الحدود التي رسمتها اتفاقيات القرن الماضي، يفتح الباب أمام البحث الجاد في صيغ حكم جديدة، أكثر واقعية وقدرة على استيعاب التعدد. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، يصبح الاتحاد بين المكونات المهددة ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة تاريخية.

سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الاعتراف بتنوعها وبناء نظام يضمن الأمن والحقوق للجميع، أو الاستمرار في مسار الإقصاء الذي لا ينتج سوى مزيد من التفكك والدمار. وبين هذين المسارين، تبقى وحدة الشعوب المهددة آخر خطوط الدفاع عن فكرة الوطن.

قد يعجبك ايضا