الأشرفية وحي مقصود معيار لهمجية النظام السوري

الشيخ آزاد الشيخ حميد شفي

تشكل أحياء الأشرفية وحي مقصود في مدينة حلب شاهدًا حيًا على ما آلت إليه السياسات القمعية والإقصائية التي انتهجتها السلطات الحاكمة في سوريا، حيث تحولت هذه المناطق إلى معيار أخلاقي وسياسي لقياس مستوى الانحدار السلطوي، وحجم العنف الممنهج الذي استُخدم ضد مكون أصلي من المجتمع السوري، وهوا الشعب الكوردي، بوصفه هدفًا دائمًا لمشاريع الإنكار والاستئصال.

إن حلب، بوصفها إحدى أقدم حواضر الشرق، تشكّلت عبر تراكم تاريخي كان للكورد دور محوري في بنائها وتحصينها، لا سيما خلال الحقبة الأيوبية. فالدولة الأيوبية، التي أسسها القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي، لم تكن مرحلة عابرة، بل محطة مفصلية أرست دعائم العمران والتنظيم والدفاع، وأسهمت في تعزيز مكانة حلب السياسية والعسكرية. غير أن هذا الدور جرى طمسه لاحقًا ضمن سردية الدولة السورية الحديثة، التي اختارت التهميش والإنكار بدل الاعتراف بالشراكة التاريخية للكورد، في سياق طويل من السياسات الشوفينية الممنهجة.

لم تكن الأشرفية وحي مقصود مجرد أحياء سكنية، بل مثلتا فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا يعكس عمق الوجود الكوردي في حلب، وهو ما جعلهما هدفًا مباشرًا لحملات حصار وتجويع واستهداف عسكري متكرر. وقد نُفذت هذه الحملات عبر جماعات متطرفة ومرتزقة أجانب وتنظيمات إرهابية، جرى توظيفها كأدوات رخيصة في صراع إقليمي ودولي معقّد، هدفه كسر إرادة السكان وفرض وقائع ديموغرافية جديدة على حساب المكونات الأصيلة.

أما ما يُسمّى بحكومة الجولاني، فلا تمثل في جوهرها قطيعة مع ما سبقها، بل استمرارًا للعقلية ذاتها بأسماء مختلفة. فهي ليست مشروع دولة ولا سلطة قانون، بل نموذج لأمراء حرب يقوم على الإرهاب والتكفير ورفض الآخر، ويستخدم السلاح لا لحماية المجتمع، بل لفرض الهيمنة وتنفيذ سياسات إبادة صامتة وتغيير ديموغرافي ممنهج، كان الكورد في صلب استهدافه.

وفي هذا السياق، فإن حمل السلاح من قبل أبناء الأشرفية وحي مقصود لم يكن خيارًا أيديولوجيًا أو استعراضًا للقوة، بل جاء بوصفه فعل دفاع مشروع عن النفس والكرامة وحق البقاء، في مواجهة آلة عنف لا تعترف بحدود أخلاقية أو إنسانية. أما محاولات التشويه الإعلامي والهتافات الشعبوية، فهي ضجيج عابر لا يستطيع حجب حقيقة ما جرى ويجري على الأرض.

تكشف هذه المأساة، في أبعادها الأوسع، عن تواطؤ إقليمي واضح وصمت دولي مريب، حيث تحولت بعض الجماعات المسلحة إلى أدوات تنفيذ لسياسات إقليمية معروفة، تتقدمها تركيا، ضمن مشروع يستهدف الكورد وحقهم في الوجود والكرامة. وفي المقابل، اكتفى المجتمع الدولي بدور المتفرج، متجنبًا اتخاذ مواقف توازي حجم الجرائم المرتكبة.

وسط هذا المشهد القاتم، يبرز موقف الرئيس مسعود بارزاني بوصفه تعبيرًا عن رؤية قومية وإنسانية مسؤولة، إذ أكد في أكثر من مناسبة ضرورة حماية المدنيين، ورفض سياسات الإبادة والتغيير الديموغرافي، ودعا إلى تدخل دولي جاد لوضع حد للانتهاكات. وهو موقف يعكس إيمانًا راسخًا بأن نضال الكورد، مهما اشتدت التحديات، هو نضال من أجل الحياة الحرة والكرامة الإنسانية.

إن قضية الأشرفية وحي مقصود ليست شأنًا محليًا معزولًا، بل نموذجًا مكثفًا لمأساة أوسع، قد تمتد تداعياتها إلى مجمل المنطقة إذا استمرت سياسات الإقصاء دون رادع. ومع ذلك، تبقى الحقيقة ثابتة: الشعوب الأصيلة لا تُمحى، وإرادة البقاء أقوى من كل مشاريع الإبادة، والكورد سيبقون على أرضهم، أرض آبائهم وأجدادهم، مهما تنوعت أدوات القمع وتبدلت الوجوه.

قد يعجبك ايضا