د. خلیل مصطفى عثمان
في ظل التعقيدات السياسية التي يعيشها العراق، تبرز مسؤولية النواب الكورد في مجلس النواب العراقي بوصفهم ممثلين لاستحقاق دستوري وقومي، لا يقتصر على الدفاع عن إقليم كوردستان فحسب، بل يمتد إلى حماية فكرة الشراكة الوطنية ومنع انزلاق الدولة نحو المركزية والاستحواذ السياسي.
لقد أثبتت التجربة البرلمانية العراقية منذ 2005 أن موقع الكورد في بغداد كان، في كثير من المحطات، عامل توازن وضمانة دستورية، لكن هذا الدور تراجع كلما تشرذم الموقف الكوردي أو جرى التعامل مع استحقاقه بمنطق الصفقات المؤقتة.
تتمثل الأولوية الجوهرية للنواب الكورد في حماية الدستور العراقي، ولا سيما المواد المتعلقة بالنظام الاتحادي وصلاحيات الأقاليم. فالدستور ليس نصًا انتقائيًا، بل عقد شراكة، وأي تجاوز عليه يفتح الباب أمام دولة مركزية تُدار بعقلية الغالب والمغلوب، وهو ما يتناقض مع فلسفة العراق بعد 2003.
كما ان ملف الموازنة الاتحادية يمثل اختبارًا سنويًا لجدية الشراكة. إن ضمان حصة عادلة ومستقرة لإقليم كوردستان، وتثبيت رواتب موظفيه بعيدًا عن الابتزاز السياسي، يجب أن يكون أولوية ثابتة للنواب الكورد، لا ورقة تفاوض موسمية. فالحقوق المالية ليست امتيازًا سياسيًا، بل التزامًا دستوريًا.
ومن جهة ثانية ان غياب قانون النفط والغاز الاتحادي خلق فراغًا استُخدم مرارًا للضغط على الإقليم. وعليه، فإن الدفع باتجاه تشريع هذا القانون وفق الدستور، وبما يحفظ حق الإقليم في إدارة موارده، يُعد من أهم مهام النواب الكورد، لمنع تحويل الثروات الوطنية إلى أدوات صراع سياسي.
تبقى المادة 140 من الدستور جرحًا مفتوحًا في جسد الدولة العراقية. إن إهمال هذا الاستحقاق الدستوري، أو محاولة تجاوزه بفرض الأمر الواقع، يهدد السلم المجتمعي. ودور النواب الكورد هنا محوري في إعادة هذا الملف إلى مساره الدستوري، بعيدًا عن العسكرة والتغيير الديموغرافي.
كما ان البيشمركة ليست قوة حزبية أو إقليمية، بل جزء من المنظومة الدفاعية العراقية وفق الدستور. لذلك فإن تثبيت حقوقها القانونية والمالية، ومنع تسييس ملفها، يشكل أولوية أمنية ووطنية، لا مطلبًا كورديًا ضيقًا.
التجربة البرلمانية تؤكد أن قوة الكورد في بغداد تكمن في وحدة موقفهم. فالخلافات الحزبية حين تُنقل إلى البرلمان تُضعف الاستحقاق الكوردي وتمنح الأطراف الأخرى فرصة تجاوز الحقوق الدستورية. إن تنسيق المواقف وتقديم المصالح العليا على الحسابات الضيقة بات ضرورة سياسية لا خيارًا.
إن أولويات النواب الكورد في البرلمان العراقي لا تنفصل عن مشروع بناء دولة عادلة ومتوازنة. فالدفاع عن حقوق كوردستان هو في جوهره دفاع عن الدستور، وعن الشراكة، وعن عراق لا يُدار بالقوة ولا بالعدد، بل بالتوافق والعدالة. وكل إخفاق في هذا الدور لا يضر بالكورد وحدهم، بل يُعمّق أزمة الدولة العراقية برمتها.