عندما يتجسّد الظلم بلا خجل.. أين العدالة؟!

عرفان الداوودي

في العراق، لم يعد الظلم حالة استثنائية، بل أصبح نظامًا كاملاً يُدار بقرارات صامتة وامتيازات فاضحة، فيما يُترك الشعب يواجه الفقر والخذلان وحده. في 15 كانون الأول 2025، أعلنت الحكومة العراقية قرارًا قالت إنه (إصلاحي)، يقضي بتخفيض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث وكبار المسؤولين، وبحسب ما أُعلن:

• تخفيض 50% من رواتب الرئاسات الثلاث والوزراء وأعضاء مجلس النواب
• تخفيض 40% من رواتب الدرجات الخاصة ووكلاء الوزراء والمستشارين والمدراء العامين
• تخفيض 30% من مخصصات العناوين الوظيفية في الرئاسات والهيئات التابعة لها

بل وخرجت اللجنة القانونية في مجلس النواب لتؤيد القرار، وكأننا أمام نصر تاريخي للشعب. لكن الحقيقة المؤلمة هي:لا أحد يعرف إن نُفِّذ القرار أصلًا أم لا. لا بيان رسمي بالأرقام. لا كشف برواتب ما بعد التخفيض. لا شفافية. ولا خجل. وكأن رواتب المسؤولين أسرار دولة عظمى، بينما قوت المواطن مكشوف ومُهان.

في الجهة الأخرى من المشهد، يقف الموظف العراقي الشريف، الذي خدم 40 سنة أو أكثر، قدّم عمره وصحته وكرامته للدولة، ليُكافأ في النهاية براتب تقاعدي لا يتجاوز 900 ألف دينار، لا يكفي لإيجار بيت ولا علاج مرض.

وفي المقابل، نجد نائبًا:

• لا يحضر إلا يومًا في الأسبوع
• لا يُجيد كتابة اسمه أو إلقاء خطاب دون أخطاء فادحة
• لا يملك كفاءة ولا إنجازًا
• يقضي بقية أيامه في السفر والسياحة

ومع ذلك، يحصل على:

• راتب خيالي
• حمايات مدججة
• سيارات مصفحة
• مخصصات سكن وإيجار
• امتيازات لا يحلم بها الطبيب أو الأستاذ أو المهندس

ثم، وبعد أربع سنوات فقط، يُمنح راتبًا تقاعديًا يصل إلى خمسة ملايين دينار!
أي وقاحة هذه؟ وأي عدالة يُراد لنا أن نصدقها؟ هذا ليس خللًا إداريًا، ولا خطأً عابرًا، بل سرقة مشرعنة باسم القانون، وإهانة صريحة لشعب صبر أكثر مما ينبغي. إن العدالة لا تعني تخفيضات ورقية لا تُطبّق، ولا تعني قرارات تُعلن للإعلام ثم تُدفن، ولا تعني أن يشدّ المواطن الحزام بينما المسؤول يوسّع جيوبه.

العدالة تعني:

• كشف رواتب الرئاسات والنواب والوزراء بالأرقام
• تطبيق التخفيض فعليًا لا إعلاميًا
• إلغاء الامتيازات غير الدستورية
• مساواة من خدم أربعين سنة بمن خدم أربع سنوات

غير ذلك، فكل حديث عن الإصلاح كذبة مكشوفة. الشعب العراقي لم يعد ساذجًا، ولم يعد يصدق الشعارات، وهو يرى يوميًا الفرق بين من يكدّ ليموت فقيرًا، ومن يتسلّق السياسة ليغتني بلا حساب.

أين العدالة؟ إنها غائبة ما دام الصمت سيد الموقف، وما دام المسؤول لا يخجل،
وما دام الفقير هو وحده من يُطلب منه الصبر. وهنا… هنا بالضبط، يكمن الظلم الحقيقي

قد يعجبك ايضا