د.ابراهيم احمد سمو
في خضمّ الأيام الراهنة، وخصوصًا على مستويي الشأنين الداخلي والخارجي، يعيش العراق الفيدرالي حالة معقّدة من التجاذب السياسي، تتجلّى بوضوح في أروقة ما يُعرف بالكابينة العاشرة، وكذلك في ملامح الكابينة الحكومية الجديدة. المشهد العام يتأرجح بين الشدّ والفكّ، وبين توافقات هشة ومشاورات متعددة، بعضها يُدار في العلن، وبعضها الآخر في الخفاء، وإن لم يعد الخفاء بمعناه التقليدي حاضرًا كما كان في السابق.
لقد باتت السياسة اليوم مكشوفة إلى حدّ مؤلم؛ فما إن تنتهي الاجتماعات حتى تتسرّب تفاصيلها إلى العلن، وتسقط معها قيمة الثقة التي كانت تُعدّ في زمنٍ مضى ركيزة أساسية في العمل السياسي. المؤسف أن الثقة لم تعد تُباع في الأسواق، بل أصبحت رخيصة ومتاحة عند الجميع، تُهدر بسهولة وتُستبدل بمصالح آنية ضيقة. ومع ذلك، يبقى من تمسّك بالصدق ونهج الاستقامة في مأمن، إذ لا خوف على من لم يخفِ سرًا، ولا خشية من بوحٍ لا يملك ما يفضحه.
كثيرون يتساءلون اليوم: كيف ستواجه سفينة الدولة العراقية أمواج هذه المرحلة العاتية، في ظل التطورات العالمية المتسارعة، والضغوط المتزايدة، والعودة الواضحة إلى منطق القطب الواحد؟ سؤال يتردد في اروقة السياسة، ولا يلبث أن يجد صداه على الشاشات ووسائل الإعلام، حيث تتجه الأنظار على ما يبدو أنه نجاح متدرّج للموجة الأمريكية، وعودتها إلى خطاب “أنا أولًا، وأنا فقط”.
في هذا السياق، من لا يُحسن قراءة المتغيرات، أو يتعامل معها باستخفاف، قد يجد نفسه واقعًا في فخّ اللاعودة، أو أسوأ من ذلك، في فخّ الانقلاب عليه. لم يعد الأمر خافيًا على أحد؛ فموازين القوة باتت واضحة، وأدوات الضغط أصبحت جاهزة، سواء عبر التهديد المباشر، أو تحريك الشارع، أو فرض حصار سياسي واقتصادي، أو حتى الدفع نحو سيناريوهات الموت البطيء والانقلاب الفوري.
إن الحديث عن قوى جاهزة للتدخل، وعن أدوات تستطيع الوصول إلى الأشخاص في بيوتهم، ومعرفة تفاصيل حياتهم وتحركاتهم، لم يعد ضربًا من الخيال أو نظرية مؤامرة. بل هو واقع تُثبته الوقائع المتلاحقة في أكثر من دولة ومنطقة. وهنا تكمن خطورة المرحلة، حيث يصبح الخطأ في الحسابات مكلفًا، وقد لا يُمنح صاحبه فرصة ثانية للتراجع أو التصحيح.
وسط هذا المشهد المتشابك، نقف نحن – على الأقل – في موقع المتفرّج الواعي، نحن أصحاب الأقلام والكلمة، نحاول أن نقرأ ونحلل ونحذّر، وإن بدا صوتنا أحيانًا خافتًا أمام ضجيج الأحداث. المستقبل غامض، ولا أحد يعلم إلى أين سيأخذنا الدهر، رغم ما نحمله من تاريخ معروف وخط نضالي واضح.
نحن أبناء الانتماء، الذين اصطففنا منذ عقود في صف الحركة التحررية الكوردستانية، قبل قرن من الزمن تقريبًا، مؤمنين بصواب المسيرة وعدالة النهج. ذلك الإرث النضالي لم يكن يومًا ترفًا سياسيًا، بل خيارًا وعيًا، ودربًا مليئًا بالتضحيات، صُنع بالصبر والعقل، لا بالاندفاع والشعارات.
ورغم كل ما يحيط بنا من أزمات وتحديات، فإن قراءة متأنية للتطورات القادمة تبعث – بحذر – على التفاؤل. فالبلاد والقضية لا تزالان تملكان فرصًا حقيقية، إذا ما أُحسن التعامل مع الأحداث بميزان العقل، وتم الحفاظ على التوازن في المواقف، بعيدًا عن ردود الفعل المتسارعة أو الارتهان الكامل للخارج.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المغامرة، بقدر ما تحتاج إلى ضبط النفس، والتحكم بالعقل، واستحضار دروس الماضي القريب والبعيد. الصبر ليس ضعفًا، بل أداة وعي، والتوازن ليس تراجعًا، بل شرط بقاء. وبين شدّ الداخل وضغط الخارج، يبقى الرهان الحقيقي على وعي النخب، وصلابة الموقف، وقدرة الجميع على تقديم مصلحة البلاد والقضية فوق كل اعتبار.