الاختفاء القسري للصحفيين في سوريا: الإطار القانوني، الفجوات التشريعية، ومسارات العدالة الانتقالية

زينه عبدي

أحد أخطر وأبشع الانتهاكات التي لا تزال تطال حرية الرأي والتعبير، وأيضاً حق الجميع في معرفة الحقيقة في سوريا هو حالات الاختفاء القسري للصحفيين والصحفيات، تاركةً وراءها آثاراً جسيمة ليس على ضحاياها فحسب، بل باتت ممتدة بصورة كاملة لتصيب المنظومة الإعلامية والقانونية على نحٍو شاملٍ داخل بيئة محفوفة بالخطر المباشر وغير المباشر، طارحةً استفهاماتٍ عدة فيما تتعلق بالقدرة التي تتمتع بها الأطر القانونية، على المستويين السوري والدولي، حول تقديم الحماية اللازمة للصحفيين والصحفيات، ووضع المسؤولين عن وقائع الاختفاء القسري لهذه الفئة تحت المساءلة القانونية، إضافةً إلى إمكانية إدراجها ضمن نهج عدالة انتقالية للكشف عن الحقيقة بغية عدم الإفلات من العقاب عبر المساءلة والمحاسبة ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

الإطار القانوني الوطني للاختفاء القسري في سوريا

يشير الدكتور أيمن هدى منعم، مدير المكتب القانوني في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، إلى أن “لا يوجد في القوانين السورية تعريف صريح لمصطلح “الاختفاء القسري” أو تجريم خاص لهذه الجريمة. فلم ينص قانون العقوبات السوري أو غيره بشكل مباشر على الاختفاء القسري كجريمة مستقلة، رغم شيوع هذه الممارسة منذ ما قبل عام 2011”.

ووفق قراءته القانونية، يتابع منعم “ومع ذلك، يعاقب القانون على الاعتقال غير المشروع وحجز الحرية؛ حيث تنص المادة 555 من قانون العقوبات (الصادر عام 1949) على معاقبة كل من يحرم شخصاً حريته بشكل غير قانوني بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين كما صدر المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 لتشديد العقوبات على جرائم الخطف، حيث فرض عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة لكل من خطف شخصاً وحرمه حريته بهدف تحقيق مآرب سياسية أو مادية أو بدافع الانتقام أو طلب فدية بعبارة أخرى، يحاول القانون السوري معالجة حالات الاعتقال التعسفي عبر نصوص الخطف والحجز غير المشروع، ويمكن اعتبار هذه المواد أساساً لملاحقة من يقوم بإخفاء الأشخاص قسرياً حتى لو لم يُسمِّها القانون بذلك”.

ويرى منعم أنه “ورغم هذا الإطار القانوني العام، تستغل السلطات ثغراته للإفلات من العقاب، مستفيدة من قوانين أخرى تسمح بالاحتجاز دون رقابة فعالة (مثل المرسوم 55 لعام 2011 الذي أتاح توقيف المشتبه بهم لمدة تصل إلى 60 يوماً دون عرض فوري على القضاء) – مما يشرعن فعلياً الاحتجاز السري لفترات طويلة ويعيق تطبيق الضمانات القانونية”.

تجدر الاشارة الى ان المادة (101) من المرسوم التشريعي 108 لعام 2011 تنص على انه (( في جميع الأفعال التي تشكل جرائم ويقوم بها الإعلامي في معرض تأدية عمله باستثناء حالة الجرم المشهود لا يجوز تفتيشه أو تفتيش مكتبه أو توقيفه أو استجوابه إلا بعد إبلاغ المجلس أو فرع اتحاد الصحفيين لتكليف من يراه مناسباً للحضور مع الإعلامي ويجري في حالة هذه الجرائم إبلاغ المجلس أو فرع اتحاد الصحفيين بالدعوى العامة المرفوعة بحق الإعلامي وجميع الإجراءات المتخذة بحقه )) . لكن المادة معطلة لغياب اتحاد الصحفيين عملياً”.

التزامات سوريا بموجب القانون الدولي لحماية الصحفيين

ويذهب منعم إلى أنه لم تصادق الحكومة السورية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 مما يحول دون خضوعها لرقابة لجنة الاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن سوريا ملزمة بموجب اتفاقيات أخرى مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (الذي انضمت إليه) باحترام الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي وعدم الاعتقال التعسفي هذه الالتزامات الدولية تعني أنه يجب على السلطات السورية منع الاختفاء القسري والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه، خاصة وأن هذه الجريمة تُصنَّف كانتهاك جسيم لحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، يؤكد الإعلان الأممي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (1992) على حق ذوي المفقودين بمعرفة الحقيقة وواجب الدول في منع هذه الجريمة.

الواقع العملي للتعامل مع شكاوى عائلات الصحفيين المختفين

وفي تقييمه القانوني للواقع الراهن يؤكد منعم على أنه عملياً، لا تتعامل السلطات السورية بجدية أو شفافية مع بلاغات عائلات الصحفيين المعتقلين تعسفياً أو المخفيين قسرياً . إذ لا توجد آلية قانونية فعالة يستطيع ذوو المفقود من خلالها تتبع شكواهم؛ فالأجهزة القضائية السورية عاجزة عن فرض رقابة فعلية على السجون حتى اليوم.

الفجوات القانونية المعيقة لمساءلة مرتكبي اختفاء الصحفيين

ويلفت منعم إلى أن المنظومة القانونية السورية تكتنف ثغرات خطيرة تساهم في إفلات مرتكبي جرائم اختفاء الصحفيين من المساءلة. أولى هذه الثغرات هي عدم تجريم فعل الإخفاء القسري بحد ذاته وعدم تضمين عنصر إنكار الاحتجاز أو رفض الكشف عن مصير الضحية ضمن أركان الجرائم القائمة. القانون السوري يجرّم الخطف وحجز الحرية، لكنه لا يعاقب على قيام مسؤول رسمي باحتجاز شخص بشكل ostensibly “مشروع” (كحالة توقيف بإذن قضائي) ثم إنكار ذلك لأهله؛ إذ لا يُعدّ هذا الإنكار جريمة في حد ذاته ضمن التشريعات النافذة. وبذلك تستطيع بعض الجهات الأمنية التحايل على القانون عبر استغلال صلاحيات التوقيف مع إخفاء المحتجزين قسرياً دون مواجهة عقاب.

وفي السياق ذاته، يرى منعم أنه ينحصر مفهوم الخطف في القانون السوري بالأفعال التي يرتكبها أفراد عاديون؛ أما عناصر الدولة الأمنية فلا يُعتبر ما يقومون به “خطفاً” بحكم أنهم مخولون قانوناً بالاعتقال هذا يعني أن اختطاف الصحفيين على يد أجهزة الأمن لا يمكن ملاحقته تحت قانون الخطف الحالي، ما داموا يدّعون القيام بواجبهم الأمني. كل هذه الفجوات – غياب نص صريح يجرّم الاختفاء القسري، وعدم اعتبار إنكار الاحتجاز جريمة، وتعريف ضيق للخطف، وحماية مرتكبي الانتهاكات عبر الحصانة – تضافرت لتوفر مناخاً من الإفلات من العقاب. ويترتب على ذلك أنه نادراً ما يُحاسَب أي مسؤول أمني على اختفاء صحفي أو غيره، ما دام الإطار القانوني الحالي عاجزاً عن ربط الجريمة بالفاعل ومساءلته بفعالية.

إدراج ملف الصحفيين المختفين ضمن مسار العدالة الانتقالية

وفي قراءة قانونية معمقة، يؤكد منعم أن “أي عملية عدالة انتقالية مستقبلية في سوريا، ينبغي إعطاء أولوية خاصة لكشف مصير الصحفيين الذين تعرضوا للاختفاء القسري وضمان إنصافهم. قانونياً، يمكن إدراج ملفات هؤلاء الصحفيين ضمن مسار العدالة الانتقالية عبر عدة آليات تكاملية كالتالي: أولاً، الهيئة الوطنية لكشف مصير المفقودين: التي تُعنى بالتحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري – وعلى رأسها حالات الصحفيين – وجمع الأدلة والشهادات لكشف ما جرى لهم. ويجب أن يكفل القانون صلاحيات واسعة لهذه الهيئة للوصول إلى أماكن الاحتجاز والسجلات الأمنية بهدف استخراج المعلومات حول الصحفيين المختفين”.

وفي الإطار ذاته، يوضح منعم أن الإجراءات القضائية والمحاسبة الجنائية: ينبغي أن تتضمن العملية الانتقالية ملاحقة قضائية للمسؤولين عن جرائم الإخفاء القسري، بما يشمل محاكمة الضباط والمسؤولين الذين أمروا أو نفذوا اختفاء الصحفيين. لتحقيق ذلك، قد يلزم تعديل التشريعات الوطنية لتعريف جريمة الاختفاء القسري واعتبارها جناية خطيرة لا تسقط بالتقادم، أو الاستعانة بالقانون الدولي العرفي مباشرة لتوجيه اتهامات جرائم ضد الإنسانية لمن تورط بشكل ممنهج في هذه الجرائم. من الضروري إلغاء قوانين الحصانة السابقة لضمان عدم وجود عائق قانوني أمام مقاضاة أفراد الأجهزة الأمنية.

وبالتوازي مع ذلك، يعزز القول بجبر الضرر وتعويض الضحايا عبر إدراج حقوق الصحفيين المختفين وعائلاتهم في التعويض ورد الاعتبار ضمن برامج العدالة الانتقالية. وهذا يشمل تعويضات مادية ومعنوية لأسرهم، والاعتراف الرسمي بتضحياتهم كضحايا انتهكت حقوقهم بسبب عملهم الصحفي.

ويشدد منعم على أن الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار: قانونياً، ينبغي إدخال إصلاحات على قطاع الأمن والقضاء لضمان عدم تكرار جرائم الإخفاء القسري. يتضمن ذلك تدريب الأجهزة على احترام حقوق الإنسان، ووضع آليات رقابة تحول دون الاعتقال التعسفي والسري مستقبلًا، وسن تشريعات تحمي حرية الصحافة وتعاقب بشدة على أي انتهاكات ضد الصحفيين. بهذه الخطوات يمكن إدماج قضية الصحفيين المختفين في مسار العدالة الانتقالية بشكل منهجي يحقق الحقيقة والعدالة، ويكرّم تضحياتهم كجزء من الذاكرة الوطنية السورية

الأدوات القانونية الدولية لمساءلة المسؤولين

في ظل غياب المساءلة المحلية الفعّالة، يشير منعم إلى عدة أدوات قانونية دولية يمكن اللجوء إليها لمحاسبة المسؤولين عن اختفاء الصحفيين في سوريا. من أهمها مبدأ الولاية القضائية العالمية؛ فقد أتاحت قوانين بعض الدول (مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وغيرها) إمكانية ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الضحايا.

ويندرج ضمن ذلك، المحكمة الجنائية الدولية (ICC): فهذه المحكمة مختصة بمقاضاة الأفراد عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ورغم أن سوريا ليست دولة طرف في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة، يمكن لمجلس الأمن الدولي إحالة الوضع في سوريا إلى الـICC لمحاكمة المسؤولين الكبار عن الجرائم الجسيمة (وقد طالبت منظمات عديدة بهذا الإحالة منذ سنوات. كما يمكن للحكومة السورية الانتقالية أن تقبل باختصاص المحكمة بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة خلال النزاع .

وفي الإطار المتصل به، إنشاء آلية قضائية خاصة لسوريا – سواء محكمة خاصة أو محكمة هجينة (بالتعاون بين الأمم المتحدة والقضاء السوري) – تتولى محاكمة مرتكبي الانتهاكات الكبرى بما فيها جرائم اختفاء وتعذيب الصحفيين. على صعيد آخر، أنشأت الأمم المتحدة بالفعل آليات غير قضائية لكنها داعمة للمساءلة، منها (الآلية الدولية المحايدة والمستقلة” (IIIMالتي تجمع وتحلل الأدلة على أخطر الجرائم في سوريا منذ 2011 تمهيداً لاستخدامها قضائياً كذلك اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2023 قراراً بإنشاء مؤسسة مستقلة معنية بالمفقودين في سوريا، هدفها توحيد الجهود لكشف مصير المفقودين بالتعاون مع عائلاتهم. هذه المؤسسة – وإن كانت تركز على الحق في المعرفة أكثر من المعاقبة – ستساعد في توثيق الحالات (بما فيها حالات الصحفيين المختفين) وتوفير قاعدة معلومات يمكن أن تدعم إجراءات قانونية لاحقة ضد المسؤولين.

جدير بالذكر أن القانون الدولي يصنف الاختفاء القسري الواسع النطاق كـجريمة ضد الإنسانية، وبالتالي فإن مرتكبيه لا يتمتعون بأي حصانة دولية ويمكن ملاحقتهم في أي وقت ومكان تتاح فيه الولاية القضائية. إن تكاتف هذه الأدوات – من المحاكم الدولية أو الوطنية إلى آليات الأمم المتحدة – يشكل منظومة ضغط قانوني تهدف إلى ضمان عدم إفلات المسؤولين عن اختفاء الصحفيين من العدالة على المدى البعيد.

دور القانون الدولي العرفي في سد الفراغ التشريعي الوطني

حين تكون التشريعات الوطنية قاصرة عن التصدي لجريمة خطيرة كالاختفاء القسري، يمكن لـلقانون الدولي العرفي أن يلعب دوراً مساعداً وحاسماً. لذا استمداداً من هذا الطرح، فإن منعم يرى أن الكثير من مبادئ حقوق الإنسان والقانون الإنساني أصبحت مُلزمة لجميع الدول بوصفها أعرافاً دولية، بغض النظر عن مصادقة الدولة على اتفاقيات معينة. ومن هذه الأعراف حظر الإخفاء القسري والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية.

بعبارة أخرى، حتى لو لم ينص القانون السوري صراحة على تجريم الاختفاء القسري، يبقى على السلطات التزام قانوني دولي بمنعه ومحاسبة مرتكبيه بموجب ما استقر عليه وجدان المجتمع الدولي. وقد أكد الخبراء أن الاختفاء القسري جريمة مستمرة تمتد آثارها طالما لم يُكشف مصير الضحية، وهي انتهاك مركب لعدة حقوق أساسية (الحق في الحياة، في الحرية، في الاعتراف بالشخص أمام القانون، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو الاحتجاز التعسفي). لذا يُعتبر هذا الفعل من انتهاكات القانون الدولي الجسيمة التي ترقى في سياقات معينة إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وعليه، يمكن الاستناد إلى القواعد العرفية لملاحقة جريمة اختفاء الصحفيين حتى لو لم يكن هناك قانون محلي يُجرّمها لحظة ارتكابها، على أساس أنها كانت محظورة دولياً آنذاك.

واستصحاباً لما تقدم، يذهب منعم إلى التعريف بمبدأ “شرعية التجريم الدولي” الذي اعتمدته محاكم مثل نورمبرغ، حيث حوكم مسؤولون عن أفعال لم تكن مُجرَّمة داخلياً لكن اعتُبرت جرائم بموجب أعراف القانون الدولي وقتذاك. كذلك يفرض العرف الدولي على الدولة واجب التحقيق الجاد في ادعاءات الاختفاء القسري – فهو التزام بذل عناية وليس مجرد خيار. وفي الحالة السورية، يمكن لقضاء ما بعد النزاع الاعتماد على التعريفات الدولية (مثل تعريف الاختفاء القسري الوارد في قرارات الأمم المتحدة واتفاقية 2006) باعتبارها معبرة عن قواعد عرفية، وبالتالي تطبيقها بأثر رجعي دون مساس بمبدأ قانونية الجرائم.

إضافة لذلك، يمنح القانون الدولي العرفي حقاً مطلقاً لعائلات المختفين في معرفة الحقيقة حول مصير ذويهم، وهذا الحق لا يسقط بالتقادم. هذا يعني أنه حتى في غياب تشريع وطني، يظل من حق الأسر أن تطالب السلطات بالكشف عن المعلومات المتوفرة ومعاقبة المسؤولين. وخلال مرحلة العدالة الانتقالية، يمكن الاستناد إلى الأعراف الدولية للضغط نحو كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا. على سبيل المثال، أكد تقرير حديث أن معالجة آثار الاختفاء القسري تتطلب “مقاربة شاملة” تشمل كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة وتعويض الضحايا وضمان عدم التكرار– وهذه المبادئ بحد ذاتها تعكس ما أصبح قاعدة عامة في مسارات العدالة الانتقالية حول العالم. في المحصلة، يقوم القانون الدولي العرفي مقام صمام أمان حين تتقاعس القوانين المحلية؛ فهو يذكّر الدولة بواجباتها الأساسية ويحفظ حق الضحايا في الإنصاف حتى ضمن فراغ تشريعي.

التحديات القانونية أمام إدراج ملف الصحفيين المختفين في العدالة الانتقالية

رغم أهمية إدراج ملف الصحفيين المختفين قسراً في أي خطة للعدالة الانتقالية، يستخلص منعم أنه هناك تحديات قانونية عدّة قد تعترض تحقيق هذا الهدف. أولاً، حجم الانتهاك وتعقيد إثباته: نحن أمام مئات وربما آلاف الحالات من الصحفيين والإعلاميين الذين فُقدوا خلال العقد الماضي؛ توثيق كل حالة وجمع الأدلة الكافية حول مرتكبيها عملية شاقة تستغرق وقتاً طويلاً.

كثير من المختفين قضوا تحت التعذيب أو أعدموا سراً، ما يعني غياب جثامين أو أدلة مادية مباشرة، واعتماد القضية على شهادات ناجين أو وثائق أمنية قد تكون أُتلفت. ثانياً، الإطار القانوني الموروث: ستواجه أي محاكمات انتقالية إرث القوانين السورية السابقة. فرغم تغيير النظام، ستبقى النصوص القديمة (بما فيها مواد الحصانة المشار إليها) سارية ما لم تُلغَ أو تُعدل. وهذا يفرض تحدي التوفيق بين مبدأ عدم رجعية القوانين من جهة وضرورة محاسبة أفعال لم يكن يعاقب عليها القانون المحلي صراحةً من جهة أخرى.

ويعزز قوله بأنه قد يكمن الحل في سن تشريع انتقالي يعتبر الجرائم ضد الإنسانية (ومن ضمنها الاختفاء القسري) قابلة للمحاكمة بأثر رجعي كونها مجرَّمة دولياً حين وقوعها – لكن تبني هكذا تشريع قد يثير جدلاً دستورياً. ثالثاً، شمولية العدالة الانتقالية: العدالة الانتقالية عادة تتناول طيفاً واسعاً من الانتهاكات (القتل الجماعي، التعذيب، التهجير…)، وقد يخشى البعض من تشتت الجهود إذا أُفرِد اهتمام خاص لفئة الصحفيين. هنا التحدي يكمن في إيجاد توازن يضمن عدم تهميش قضية المختفين من الإعلاميين، وفي نفس الوقت دمجها ضمن السياق الأشمل للمفقودين في سوريا.

وعلى نحو مشابه، يطرح منعم التسييس واحتمال عقد صفقات عفو: في مراحل الانتقال السياسي، قد تُمارس ضغوط للمساومة على بعض ملفات الانتهاكات في سبيل تحقيق مصالحة أو استقرار سريع. ملف المختفين قد يتعرض لخطر التسويات السياسية (كإصدار عفو عام يطال مرتكبي الانتهاكات) مما يعرقل العدالة المنشودة. لذا يجب التحصين القانوني لمسار العدالة الانتقالية بنصوص تمنع العفو عن الجرائم الجسيمة كالإخفاء القسري.

وفي هذا المضمار، لا يمكن فصل ضعف المؤسسات والخبرات: القضاء السوري بعد سنوات الصراع ربما يفتقر للاستقلالية والخبرة في التعامل مع جرائم بهذا التعقيد، مما قد يستدعي الاستعانة بقضاة أو خبراء دوليين ضمن آليات هجينة. وهذا يثير مسائل سيادية وقانونية حول اختصاص المحاكم المختلطة وصلاحياتها على المواطنين السوريين. سادساً، توقعات الضحايا وذويهم: من التحديات غير المباشرة أن يواكب الإطار القانوني تطلعات عائلات الصحفيين المختفين؛ هؤلاء ينتظرون كشف الحقيقة بسرعة ومحاسبة جميع المسؤولين وتعويضهم. أي تباطؤ أو قصور قانوني في تحقيق هذه التطلعات قد يفقد ثقة الضحايا بعملية العدالة الانتقالية برمتها، حسب منعم.

وأخيراً، ضمان عدم التكرار: التحدي الأكبر قانونياً هو ترجمة وعود عدم التكرار إلى إصلاحات ملموسة – كدستور جديد يكفل حرية التعبير ويحظر صراحةً الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وآليات رقابية تضمن تنفيذ ذلك. إن بناء هذه الضمانات ضمن الإطار القانوني الانتقالي ضرورة لمنع عودة هذه الجريمة ضد الصحفيين مستقبلًا. بالنتيجة، ورغم جسامة هذه التحديات، فإن مواجهتها ممكنة عبر إرادة سياسية صادقة ودعم دولي فني.

ويختتم منعم قوله بأن معالجة ملف الصحفيين المختفين قانونياً تشكّل حجر أساس لتحقيق عدالة حقيقية وشاملة في سوريا الجديدة – عدالة لا تكتفي بالكشف والمحاسبة، بل تضع أيضاً ضمانات تشريعية ومؤسسية تحول دون تكرار المأساة وتصون كرامة الإنسان وحرية الصحافة مستقبلاً .

في المحصلة، يعكس ملف الاختفاء القسري للصحفيين والصحفيات خللاً بنيويا شرساً في الأطر القانونية لا يمكن تخطيه بلا إصلاح حقيقي على الأرض. ولحماية حرية الصحافة وحق الجميع في الوصول للحقيقة يلزم إدراج هذا الملف وبشكل فعلي ضمن مسالك العدالة الانتقالية بوصفه استحقاقًا قانونيًا ومطلبًا أساسيًا ومدخلًا بنيويًا لإرساء العدالة وتحقيق القانون بشكل مؤسسي لمنع ارتكاب الانتهاكات مجدداً.

قد يعجبك ايضا