الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
الإعلاميون والصحفيون ليسوا شهود زور، بل هم صوت الناس وضمير الوطن، وحين يصمت الضمير تُفتح أبواب الخراب على مصاريعها.
في بلدٍ تتكدّس فيه الأرقام الفلكية للفساد، ويُترك المواطن وحيدًا يواجه الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، تخرج علينا تصريحات رسمية تُقرّ — دون خجل — بضياع واختفاء ترليونات الدنانير من المال العام، وكأنها أرقام عابرة لا تستحق الوقوف عندها.
وزير العمل والشؤون الاجتماعية أحمد الأسدي أعلن صراحة عن اختفاء ما بين 2 إلى 5 ترليونات دينار عراقي من صندوق الرعاية الاجتماعية، وهو الصندوق الذي أُنشئ لحماية أفقر الفقراء، لا ليكون غنيمة بيد المتنفذين.
وفي الوقت ذاته، تم الإعلان عن فقدان أكثر من 3 ترليونات دينار من الأمانات الضريبية، إضافة إلى تهريب ما يقارب ترليونًا و14 مليون دولار أمريكي إلى خارج العراق، أموال نُهبت وهُرّبت تحت أعين الدولة.
أما وزارة الهجرة والمهجرين، فقد كُشف عن هدر 50 مليار دينار خلال عام ونصف في ملف النازحين، ملف إنساني تحوّل إلى مشروع استحواذ، ثم أُغلق وكأن شيئًا لم يكن، وذهب إلى طيّ النسيان.
وفي وزارة التربية، حيث يفترض أن يكون الاستثمار في مستقبل الأجيال، نجد أن “حصة الأسد” كانت من نصيب الفساد، عبر عقد تجهيز وجبات الطلبة (البسكويت) بقيمة تجاوزت 54 مليار دينار، في بلد مدارسُه متهالكة وطلابه بلا مقاعد ولا كتب.
ولا يتوقف المشهد عند هذا الحد؛ مليارات الدولارات صُرفت على الانتخابات، دون شفافية حقيقية عن مصادر هذه الأموال أو آليات إنفاقها، في وقت تعاني فيه الخزينة العامة من عجز واضح، وتتوقف المشاريع الخدمية، وتغرق الأحياء الفقيرة في الإهمال، ويبحث المواطن عن مأوى أو لقمة تسد الرمق.
وسط كل هذا النزيف، تماطل الحكومة الفاسدة في صرف منحة الصحفيين والأدباء والفنانين المقرّة قانونًا في الموازنة السنوية، في إهانة صريحة لشريحة تمثل خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
ورغم نشر عدد من الزملاء الصحفيين مطالباتهم المشروعة، ما زالت الحكومة تتجاهل الحقوق، وتدفع باتجاه تصعيد مشروع إذا استمرت سياسة التسويف والاستخفاف.
وهنا يبرز السؤال الأخطر:
أين البرلمان؟
أين من يقولون: نحن نمثل الشعب؟
لماذا يصمتون حين تُنهب أموال الفقراء؟
أم أن الصوت لا يرتفع إلا حين يكون الحديث عن تقاسم الكعكة؟
إننا، كصحفيين وإعلاميين وأدباء وفنانين، شريحة مؤثرة وواعية، ونعلنها بوضوح:
الصمت خيانة، والتجاهل جريمة.
ندعو إلى مظاهرة سلمية واسعة ضد الفساد الحكومي، دفاعًا عن المال العام وكرامة المواطن، وسنرى — دون شك — آلاف العراقيين يشاركوننا هذا الموقف، لأن الوجع واحد، والسرقة واحدة، والسكوت لم يعد خيارًا.
هذا الوطن لن يُنقذ بالبيانات، بل بالمحاسبة.
والتاريخ لا يرحم الصامتين.