أ.د.خليل مصطفى عثمان
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، لم يكن الجيش مجرد مؤسسة دفاعية تحمي الحدود والسيادة، بل سرعان ما تحوّل إلى لاعب سياسي فاعل، وأحيانًا إلى أداة حسم في الصراع على السلطة. هذه العلاقة الملتبسة بين الجيش والسياسة شكّلت أحد أبرز أسباب هشاشة الدولة واضطراب مسارها الديمقراطي.
تأسس الجيش العراقي في بيئة سياسية غير مستقرة، ودولة لم تكتمل فيها بعدُ مؤسسات الحكم المدني. لذلك أُقحم الجيش مبكرًا في مهام داخلية، من قمع الانتفاضات العشائرية، إلى مواجهة الحركات الاحتجاجية، وصولًا إلى التدخل المباشر في الحياة السياسية. ولم يكن انقلاب بكر صدقي عام 1936 سوى الإعلان الرسمي لدخول الجيش بوابة السياسة، فاتحًا الباب أمام سلسلة طويلة من الانقلابات والمؤامرات العسكرية.
ومع قيام النظام الجمهوري عام 1958، لم يعد الجيش مجرد طرف في السياسة، بل أصبح هو السلطة ذاتها. وخلال العقود اللاحقة، خصوصًا في ظل حكم حزب البعث، جرى تحويل المؤسسة العسكرية إلى ذراع أيديولوجية للنظام، تُستخدم لقمع الخصوم السياسيين، وكسر إرادة المجتمع، وشنّ حملات عسكرية داخلية، كان أبرز ضحاياها الشعب الكوردي في عمليات الأنفال والقصف والتهجير.
بعد عام 2003، أُعيد تشكيل الجيش العراقي على أسس دستورية جديدة، ونصّ الدستور صراحة على حياده ومنعه من التدخل في الشأن السياسي. غير أن الواقع أثبت أن الإرث الثقيل لعسكرة الدولة لم يُمحَ بسهولة، فشهد العراق استخدام القوة العسكرية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، وتوظيف الملف الأمني في الصراعات السياسية، بما أعاد إنتاج أزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسة العسكرية.
وجاءت أحداث 16 تشرين الأول 2017، عقب استفتاء إقليم كوردستان، لتشكّل محطة حساسة في الذاكرة العراقية. فقد أُقحم الجيش مرة أخرى في صراع سياسي، وجرى فرض وقائع بالقوة بدل الحوار، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان تاريخًا طويلًا من استخدام السلاح لمعالجة الخلافات الوطنية، وعمّق الشرخ بين بغداد وأربيل.
إن إحياء ذاكرة تدخل الجيش في السياسة لا يهدف إلى التحريض أو اجترار الماضي، بل إلى استخلاص الدروس. فالدولة التي لا تواجه أخطاءها التاريخية محكوم عليها بتكرارها. ولا يمكن بناء دولة مدنية مستقرة ما لم يُحصر دور الجيش في حماية الوطن، ويُفصل بشكل صارم بين البندقية والقرار السياسي.
يبقى الجيش العراقي مؤسسة وطنية لا غنى عنها، لكن قوته الحقيقية تكمن في حياده، لا في تدخله. فالسلاح وُجد لحماية الدولة، لا لإدارة الخلافات، وبناء الوطن لا يكون بالقوة، بل بالثقة والدستور والعدالة.