تفخيخ الدستور

سمير السوره ميري

الدستور الذي يكتب بدافع الخوف من التفرد بالسلطة، أي عودة الشمولية، قد يتحول إلى نص يُشرعن التعطيل بدل أن ينظم الحكم، فكيف إذا كُتبت على يد من لا يعنيه تمكين الدولة. تفخيخ الدستور ليس ظاهرة حديثة، بل ولد مع فكرة نشؤ الدساتير.

يعد النظام الجمهوري الروماني من أقدم الدساتير، وقد كتبت بهدف عدم عودة سلطة الفرد الطاغية، ولكنه وقع في فخ النخبوية، فبقي التوازن الطبقي شكليا، هذا التفخيخ عمق الصراع بين الأرستقراطية (البارتريكين) والعامة (البليبيين)، فتحول الاستبداد من طغيان فردية إلى طغيان طبقي، ومع تضخم الاستثناءات الدستورية، عجز القانون عن إداء وظيفته، وتحولت الاستثناءات إلى أداة اِبتزاز سياسي دائم، هنا يفقد القانون قوة قدرته على تحقيق التوازن، وانتهت الجمهورية بعجز دستورها عن حماية نفسها.

يشكل النموذج اللبناني في عصرنا الحديث دليلا صارخا على هذا التفخيخ الدستوري، حين كتب الدستور بروح طائفية وإثنية بعد أحداث دموية امتدت لأكثر من عقد لم ينه الصراع، وكان اِتفاق الطائف فخخ المادة 24 المعدل من الدستور، نقل الصراع من اشتباكات عنيفة إلى اشتباكات ناعمة بأدوات قانونية أنهكت الدولة، بالغام الطائفية والأثنية والتوافقية، وحولت الأزمات إلى حالة دائمة.

إن ما يسمى بالديمقراطية التوافقية، ليست سوى ديمقراطية زائفة، ترسخ آفة التفرقة وتعيد إنتاج الصراع على المكاسب بين فئات محدودة، ضاربة حال الوطن والمواطن، وهنا يفقد المواطن ثقته بالدستور بوصفه عقدا اجتماعيا جامعا.

الدستور في جوهره عقدٌ أخلاقي قبل أن يكون نصا قانونيا، يكتب داخل اسوار الوطن بعيدا عن الأنانيات والحسابات الضيقة، فالدستور الحضاري ليس مجرد وثيقة قانونية، بل أسلوب حياة يستحقه المواطن.

قد يعجبك ايضا