عرفان الداوودي
ما جرى في بعض مدن العراق، ولا سيّما في البصرة وديالى، ليس حادثًا عابرًا ولا (تصرفًا فرديًا) يمكن طمسه ببيان خجول أو تبرير بارد. إنه نتيجة مباشرة لفشل حكومة فاسدة، عاجزة، فقدت هيبتها، وتخلّت عن دورها الأساسي في حماية المجتمع وصون كرامة المواطنين.
الأخطر من الفعل الإجرامي نفسه، هو البيئة التي سمحت بحدوثه، بيئة غذّاها خطاب تحريضي صادر عن بعض من يطلقون على أنفسهم (رجال دين)، ممن صادروا الحريات الشخصية باسم الدين، وحرّضوا الناس ضد أي مظهر من مظاهر الفرح أو الاختلاف، وكأنهم أوصياء على الضمائر، وحراس على حياة الناس الخاصة.
هذا الخطاب التحريضي لم ينتج مجتمعًا فاضلًا، بل فجّر النسيج الاجتماعي، وفتح الباب أمام غوغاء من المراهقين والرعاع، ليمارسوا العنف والتحرش والاعتداء، تحت سمع وبصر دولة غائبة، وقانون معطّل، وأجهزة أمنية تتقن الصمت أكثر مما تتقن الحماية.
قضية التحرش الجماعي بالشابة في البصرة ليست خطأ شباب طائشين، ولا زلة عابرة في ليلة احتفال برأس السنة 2026، بل هي نتيجة طبيعية لتراكم الفشل الأخلاقي والقانوني والسياسي. الجريمة لم تقع في فراغ، بل في مجتمع يُجلد فيه الضحية، ويُبرَّر فيه الجاني، وتُختزل (الغيرة) بالشعارات والصراخ، لا بالفعل والحماية.
المتحرش لا يستفز… المتحرش يختار. يختار لحظة ضعف، ويستغل غياب الردع، ويطمئن إلى ثقافة تبرر له الجريمة، وتُحمّل الضحية الذنب. نفس المجتمع الذي يملأ الفضاء بخطابات الشرف والفضيلة، هو ذاته الذي يقف متفرجًا وقت الجريمة، يصوّر، يصمت، ثم يهاجم الضحية بلا خجل.
أين كانت الغيرة عندما كانت امرأة تُهان في الشارع؟ أين كانوا الرجال الذين يتفاخرون بالشعارات؟ أين كانت الدولة، والقانون، والحكومة؟ الغيرة الحقيقية لا تكون بالمنع والقمع والحجاب القسري، ولا بالتحريض الديني الأجوف، بل بالتدخل الفوري لحماية الضحية، وبإيقاف الجاني، وبمحاسبة كل من حرّض وسكت وشارك بالصمت.
إن استمرار هذا الصمت الرسمي، وتواطؤ الخطاب المتشدد، وعجز الحكومة الفاسدة، لن يقود إلا إلى مزيد من الانفلات، ومزيد من الجرائم، ومجتمع مريض يدّعي الفضيلة ويمارس العنف. الدولة التي لا تحمي نساءها، لا تستحق أن تُسمّى دولة. والمجتمع الذي يبرر الجريمة، شريك فيها. والحكومة التي تصمت… مدانة