أ.د.خليل مصطفى عثمان
ليس ما يعانيه العراق اليوم أزمة سياسة عابرة، ولا خللًا إداريًا يمكن إصلاحه بتغيير الحكومات أو الوجوه، بل هو أزمة أعمق تمسّ بنية التفكير ذاتها. فالدول لا تفشل فقط حين تضعف مؤسساتها، بل حين يُشلّ العقل الذي يديرها، ويُحاصر المجتمع داخل منظومات ذهنية مغلقة تعادي النقد وتخشى التغيير.
لقد تحوّل التخلف في العراق من حالة مؤقتة إلى نظام تفكير يعيد إنتاج نفسه، ويمنح الفشل شرعية ثقافية واجتماعية، ويُلبسه أحيانًا لباس الهوية أو المظلومية أو الخصوصية.
من أبرز ملامح الأزمة العراقية هي هيمنة عقل سياسي واجتماعي لا يفكر بقدر ما يكرر. عقل يستحضر الماضي بدل تحليل الحاضر، ويبحث عن خلاصه في الأمجاد القديمة لا في الوقائع المعاصرة.
هذا العقل لا يرى في النقد ضرورة، بل تهديدًا، ولا يتعامل مع الفشل بوصفه نتيجة سياسات خاطئة، بل بوصفه قدَرًا مفروضًا أو مؤامرة دائمة.
العشيرة، بوصفها إطارًا اجتماعيًا تضامنيًا، ليست مشكلة بحد ذاتها. لكنها في الحالة العراقية تحولت في كثير من الأحيان إلى سلطة موازية للدولة، تنافس القانون وتفرغه من مضمونه.
حين تُقدَّم الأعراف العشائرية على القضاء، وتُحل النزاعات بالقوة أو “الفصل” بدل العدالة، يصبح مفهوم المواطنة هشًا، وتتحول الدولة إلى كيان ضعيف أمام الولاءات الأولية.
في هذا المناخ، لا تُقاس الحقوق بالقانون، بل بالانتماء، ولا تُمنح الفرص بالكفاءة، بل بالقرب من الجماعة الأقوى.
أما الطائفية، فهي أخطر حصون التخلف وأكثرها قدرة على التعطيل. فهي لا تقسّم المجتمع فحسب، بل تُقدِّم هذا الانقسام على أنه حقيقة مقدسة لا يجوز المساس بها.
في الواقع العراقي، تحولت الطائفية إلى منهج حكم:
المسؤول يُقيَّم على أساس طائفته لا على أدائه
الفساد يُبرَّر إذا كان من “داخل الجماعة”
الدولة تُختزل في توازنات هويات لا في مؤسسات
وهكذا يُقتل العقل النقدي، وتتحول الديمقراطية إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
ومن جانب اخر لا يمكن تجاهل أثر العوامل الخارجية في العراق، لكن تضخيمها إلى حد إنكار المسؤولية الداخلية يمثل أحد أخطر مظاهر التخلف.
فالمجتمع الذي يعلّق إخفاقه دائمًا على شماعة الخارج، يعفي نفسه من المراجعة، ويؤجل الإصلاح إلى أجل غير معلوم.
النقد الذاتي ليس جلدًا للذات، بل شرط للنهوض. ومن دونه، تتحول الأزمات إلى نمط حياة.
إن تجارب الشعوب تؤكد أن النهضة لا تبدأ من الثروة ولا من السلاح، بل من تحرير العقل.
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقل:
يخشى السؤال
يقدّس الموروث دون فحص
يقدّم العشيرة على القانون
والطائفة على الوطن
تفكيك حصون التخلف في العراق يمرّ عبر:
ترسيخ ثقافة النقد والمساءلة
تقديم المواطنة على كل الانتماءات الفرعية
إخضاع العشيرة والطائفة لمنطق الدولة لا العكس
استبدال خطاب الضحية بثقافة المسؤولية
فالعراق لا تنقصه الإمكانات، بل تنقصه الجرأة الفكرية.
وأول طريق الإصلاح لا يبدأ من تغيير السلطة، بل من تحرير العقل الذي يمنحها شرعيتها.