د. محمد صديق خوشناو
هذا العنوان ليس توصيفاً إنشائياً، بل خلاصة لواقع مالي وسياسي تعيشه الدولة العراقية منذ سنوات. فمن خلال تجربتي في مجلس النواب العراقي، واطلاعي المباشر على آليات إعداد الموازنات العامة واتخاذ القرار المالي، يتضح أن رواتب الموظفين والمتقاعدين في العراق تُدار بلا ضمانات مؤسسية حقيقية، وتُربط فعلياً بسعر برميل نفط متقلّب، لا بسياسات مالية حصيفة تحمي الاستقرار الاجتماعي.
الأنباء المتداولة عن تطورات جيوسياسية كبرى، ومنها ما يُثار بشأن فنزويلا، تعيد إلى الواجهة سيناريو بالغ الخطورة: فائض عرض عالمي في سوق النفط قد يدفع الأسعار إلى ما دون 55 دولاراً للبرميل. وفي دولة ريعية كالعراق، لا يُعدّ هذا الهبوط مسألة فنية أو مؤقتة، بل تهديداً مباشراً لقوت ملايين العوائل.
المشكلة لا تكمن في السوق النفطية بحد ذاتها، بل في غياب الاستعداد. فالدولة التي لا تمتلك صندوق استقرار مالي، ولا تعتمد سياسات تحوّط، ولا تفصل الإنفاق التشغيلي—وفي مقدمته الرواتب—عن تقلبات الأسعار، تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي اهتزاز مالي أو اجتماعي.
وعند أول صدمة سعرية، تصبح رواتب الموظفين والمتقاعدين، في الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان على حد سواء، خط الدفاع الأول الذي يُستنزف. وهذا ما يجعل الموظف العراقي، من بغداد إلى البصرة، ومن أربيل إلى السليمانية ودهوك، رهينة قرارات لا علاقة له بها ولا قدرة له على التأثير فيها.
إن الاستمرار في بناء الموازنات على التفاؤل، وتأجيل الإصلاحات، والاعتماد على الحظ بدلاً من التخطيط، هو جوهر الدولة الريعية التي تُدار بعقلية مؤقتة لا بعقل دولة. فالرواتب ليست منّة من السوق، بل حق دستوري يجب أن تحميه سياسات مالية مسؤولة، لا أن يُترك رهينة لتقلبات البرميل.
إن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بالشعارات، بل بإجراءات واضحة: تنويع مصادر الدخل، تأسيس صندوق سيادي، إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وربط القرار المالي بمصلحة المواطن لا بمواسم ارتفاع الأسعار.
فحين تكون الرواتب بلا ضمانات، تكون الدولة نفسها بلا أمان.
ومن يراهن على الحظ في إدارة الدولة، سيدفع الثمن حين تتغير الأرقام.