امتحان الحكم في العراق: رؤية من تجربة برلمانية

د. محمد صديق خوشناو
عضو مجلس النواب العراقي – الدورة الخامسة

بعد كل انتخابات في العراق، ينشغل المشهد السياسي بالأسماء والتحالفات، فيما يُهمَل السؤال الجوهري: هل تتغير طريقة الحكم أم يُعاد إنتاج الأزمة ذاتها؟ ومن واقع تجربة برلمانية سابقة، يمكن القول إن المشكلة لم تكن في نقص القوانين أو البرامج، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويلها إلى واقع ملموس.

لقد أثبتت الحكومات المتعاقبة أن تغيير الوجوه من دون تغيير آليات إدارة الدولة لا يقود إلا إلى الفشل. فالسلطة حين تُدار بمنطق التسويات والمحاصصة تتحول إلى عبء، وتفقد قدرتها على الاستجابة لمطالب الناس. العراقيون اليوم لا يبحثون عن رئيس وزراء يوازن القوى، بل عن نهج حكم يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.

يقف الاقتصاد في صدارة هذا الامتحان. فاستمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، وتفاقم البطالة، وضعف القطاع الخاص، كلها مؤشرات على خلل بنيوي. لكن أي إصلاح اقتصادي سيبقى ناقصاً ما لم يُواجَه الفساد بوصفه منظومة متكاملة عطلت التنمية، وأفرغت القرارات من مضمونها، وأضعفت ثقة المواطن بالدولة.

ولا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي عن إصلاح بنية الحكم نفسها. فالمحاصصة الطائفية والسياسية أضعفت المؤسسات، وكرّست ازدواجية القرار وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، الأمر الذي قوض هيبة القانون ومنع الاستقرار. دولة لا تحتكر القرار ولا تفرض القانون لا يمكن أن تنجح في أي مشروع تنموي.

وفي موازاة ذلك، تبرز أزمة المياه بوصفها تهديداً مباشراً للأمن الوطني، نتيجة سوء الإدارة وتحديات الجوار والتغير المناخي. هذه الأزمة، إلى جانب تردي الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة، تكشف عن غياب التخطيط الاستراتيجي، رغم الإمكانات المتاحة.

أما التعليم، ولا سيما التعليم العالي، فيبقى الركيزة الأساسية لبناء الدولة. من دون جامعات فاعلة، وبحث علمي حقيقي، وربط التعليم بسوق العمل، سيظل العراق يواجه البطالة والهجرة بدل التنمية.

وفي السياسة الخارجية، يحتاج العراق إلى نهج متوازن يحفظ سيادته، ويمنع تحويله إلى ساحة صراع، ويعيد للقرار الوطني استقلاله بعيداً عن منطق المحاور.
وفي الختام أقول
إن العراق اليوم لا يواجه استحقاقاً حكومياً عادياً، بل امتحاناً حقيقياً للحكم. فالمرحلة المقبلة تتطلب شجاعة في القرار، ووضوحاً في الرؤية، وربطاً فعلياً بين السلطة والمحاسبة. من موقع المسؤولية، ومن تجربة برلمانية، أؤكد أن أخطر ما يواجه الدول ليس الأزمات بحد ذاتها، بل الاعتياد على إدارتها بدل حلّها. والعراقيون اليوم لا يريدون وعوداً جديدة، بل تغييراً حقيقياً في نهج الحكم يعيد للدولة هيبتها وللمواطن ثقته.

قد يعجبك ايضا