تزرين يعقوب سولا..
مشرفة تربوية…
البارحة سألتُ نفسي: ماذا أتمنى للعام الجديد؟
توقفتُ طويلًا، كأن السؤال فقد فجأة معناه، أو كأن الأمنيات صارت كلمات مستهلكة لا تحمل وزنًا حقيقيًا. بدا لي التمنّي فعلًا هشًّا، بلا قيمة إن لم يكن مسبوقًا بوعي، وبلا جدوى إن لم يكن نابعًا من حاجة صادقة لا من عادة موسميةنقف كل عام عند هذه العتبة ذاتها، نلتفت إلى الوراء بقدر ما نحدّق إلى الأمام، ونسأل السؤال القديم المتجدّد: ماذا نتمنى حقًا؟
هل هو عام جديد يُضاف إلى سلسلة الأرقام في عمرٍ يتقدّم بصمت، أم تجربة أخرى تُراكم الخبرات، وربما الخيبات، في محاولة لفهم هذا الوجود المربك؟

تمرّ السنوات، وتتبدل التواريخ، لكن السؤال الجوهري يبقى معلّقًا: هل فهمنا الحياة كما ينبغي؟ أم أننا نسير فيها منساقين، نؤدي أدوارًا محفوظة، نكرر العادات ذاتها، ونخضع لإيقاعٍ لا نعرف متى بدأ ولا إلى أين يقود؟
كثيرًا ما نظن أننا نختار، بينما نحن في الحقيقة نُدار؛ نظن أننا أحرار، بينما تحكمنا أنماط التفكير، والخوف، والعادة، وضغط الجماعة، وهاجس النجاة.
العام الجديد لا يملك عصا سحرية. لا يغيّرنا لمجرد أننا كتبنا رقمًا جديدًا على التقويم. التغيير الحقيقي ليس حدثًا زمنيًا، بل فعل وعي. هو لحظة صادقة نواجه فيها أنفسنا بلا أقنعة، ونسأل: ماذا نريد أن نكون، لا ماذا يريد الآخرون منا أن نبدو؟
وهنا يبرز السؤال الأصعب:
هل نستطيع فعلًا أن نغيّر عادة متجذّرة فينا؟
العادات ليست سلوكيات عابرة، بل امتدادات طويلة للخوف، أو للراحة، أو للهروب. كسرها لا يتم بالوعود ولا بالنيات الحسنة، بل بالشجاعة، وبالاعتراف أولًا، وبالألم أحيانًا. من يزعم أنه تغيّر بين ليلة وضحاها، غالبًا ما غيّر القشرة لا الجوهر.
التغيير الصادق بطيء، متعثر، ومكلف. هو سلسلة من المحاولات الفاشلة، والانكسارات الصغيرة، والقرارات اليومية غير المرئية. هو أن نكون أكثر وعيًا ونحن نخطئ، وأكثر صدقًا ونحن نعيد المحاولة. أما التغيير الاستعراضي، فهو ذاك الذي يُقال أكثر مما يُعاش، ويُعلن أكثر مما يُمارس.
على عتبة العام الجديد، ربما لا نحتاج إلى أمنيات كبيرة بقدر حاجتنا إلى أسئلة صادقة.
ربما لا نحتاج أن نكون أفضل من الآخرين، بل أن نكون أصدق مع أنفسنا.
أن نخفف قسوتنا، أن نراجع يقيننا، أن نمنح الوقت فرصة ليُعلّمنا بدل أن نُسرّعه ليمرّ.
فالحياة ليست عبثية تمامًا، لكنها تصبح كذلك حين نعيشها بلا وعي.
والسنوات لا تُهدر لأنها مرّت، بل لأنها مرّت ونحن غائبون عنها.
أما الأمنية الأصدق، فهي أن ندخل العام الجديد بعيون مفتوحة، وقلب أقل ادعاءً، واستعداد حقيقي للتغيير… حتى لو كان صغيرًا، حتى لو كان بطيئًا، لكنه حقيقي.