شرعنة العقل السياسي

سمير السوره ميري

تعني شرعنة العقل إضفاء المشروعية على حرية السؤال والشك، ارتبطت هذه الشرعنة العقل منذ سقراط بالحق في السؤال، يرى السقراطيون ” أن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش”، أي أن العقل لا يكتسب شرعيته إلا حين يُمنح حرية الشك والمساءلة.
منح أرسطو بعدا منهجيا جاعلا منه أداة لتميز الممكن من المستحيل والمعقول من الوهم، أما كانط وضع العقل في موقع المرجعية الأخلاقية والمعرفية، غير أن المفارقة في واقعنا تكمن في أن العقل مقبول نظريا ومرفوض عمليا.
إن شرعنة العقل هي معركة الوعي وهي إنتقال من الطاعة العمياء إلى المسؤولية الفكرية، ومن دون هذا الإنتقال يتحول العقل معول لهدم المجتمع ويدخل في دوران في حلقة فارغة من التكرار والجمود، شرعنة العقل ليست ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية لبقاء المجتمعات وتقدمها.
في واقعنا السياسي الراهن شرعنة العقل في الخطاب السياسي تعطل في الممارسة، وكما نبه فوكو إن أخطر السلطات هي التي تنتج ” حقيقة ” تمنع مساءلتها، وقد حسم مبكرا ابن رشد وهم التعارض بين العقل والنص مؤكدا أن الخلل في الفهم لا في الدين، لكن حين يتحالف السلطان مع المألوف يصبح الشك تهمة والتفكير مخاطرة، وهذا ما آل إليه مجتمعنا إلى مصادرة العقل، وحصر شرعنته ضمن أطر ضيقة من الطائفية والإثنية واِستغلالها في ميادين الجهل والحرمان، إن اِستقلالية العقل تعني القدرة على التفكير خارج التحيزات الضيقة، وعلى المجتمع الواعي أن يوظف العقل لكشف التناقضات الزائفة في الخطابات الأيديولوجية التي لاتصلح لإدارة المجتمع، لا أن يتحول العقل إلى موظف في بلاط السلطة.
إن التحرر من التبعية يبدأ من ترسيخ مفهوم اِستقلالية العقل، دون الإنزلاق إلى الآراء المتشنجة التي تمزق نسيج الوطن، ففي غياب العقل تتقدم الخرافة لملء الفراغ و تخلّف آثارا عميقة تمس البنية الفكرية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية وتتراجع العدالة، ويسود منطق القوة اللاأخلاقية بدل قوة المنطق، وحينها يتحول المجتمع إلى هويات ضيقة من الطائفية وعشائرية تضعف الثقة المجتمعية وتعيد إنتاج الأزمات، وتتخلف عن مسار تقدم الأُمم.
وأرى أن شرعنة العقل عند بعض السلطات الدينية التقليدية تختزل في تجريد العقل من التفكر والتدبير، وهو مايتناقض مع العقلية القرآنية القائمة على التأمل والتفكّر والهداية، لا على الصدام مع الغيب، إنها عقلية القيم والعدل، عقل مؤمن مفكّر أخلاقي لا نفعي، بها تتقدم الإنسانية، وتصان كرامة الإنسان.

قد يعجبك ايضا