في عداد المجهول المبهم او دهور من العزلة تغير النظرة النمطية لدن البشر

“سنحيى بعد كربتنا ربيعا كأننا لم نذق في الأمس مرًا”
الإمام علي بن ابي طالب (رض)

د. توفيق رفيق التونچي

الرياضيات من العلوم الأساسية والفكرية بدا بالعدد المطلق “واحد ” ويمثل الحق اي الخالق سبحانه وتعالى وعدا ذلك هو الوهم. لان كل شيء نعرفه حول العالم يأتي من الإدراك بواسطة حواسنا وبما ان حواسنا محددة وحتى رؤيتنا فنحن لن نعرف كنه جميع من في حولنا لا نراهم ولا نسمعهم ولا نحس وجودهم. ربما بواسطة المجهر تمكنا من رؤية الأشياء الصغيرة ولكن العالم خارج إدراكنا اكبر بكثير لأننا لا نرى الصغير جدا ولا الكبير الضخم . وهذا نقرئه في الذكر الحكيم اي اننا لا نرى الا الإنس من البشر وما عداهم وجودهم غير مرئي وبذلك يقعون خارج إدراكنا وإحساسنا.
اي ان جميع الأعداد بعد الرقم واحد هي احتمالية وهمية وجودها ترتبط بإدراكنا ويمكن تفسيرها وما اعنيه مثلا ان في الرياضيات لا يمكن جمع قطة رياضيا وتبقى النتيجة الجمع دائما النتيجة قطة واحدة والف ديك في حين يمكن اعتبارها كمجموعة عددية آنذاك يكون المجموع الف و واحد من الحيوانات. هذا ما يدفعنا الى الإيمان بالنظرية النسبية التي طرحها العالم اينشتاين في نسبية الامور وعدم وجود المطلق . نعم الامور نسبية ومع تطور الزمن من المطلق الى نظام الاحتمالات وصولا الى الثنائية اي الصفر و الواحد ( ديجيتال) تطور المجتمع الإنساني بشكل كبير لم يشهده اي عصر وفترة زمنية في حياة البشرية جمعاء.

المادة هذه أحاول فيها ان أتخيل بعض النصوص وإيجاد روابط يمكنها تغير نظرتنا النمطية للأمور والأشياء والحوادث وربما تخالف معارفنا في هذا القرن أي الحادي والعشرون ونحن نتخطى عام 2025.
الاسكتشافات التي كانت مجرد قصص خيالية في الف ليلة وليلة وعند الكثير من الكتاب اللذين برعوا في كتاباتهم انطلاقا من خيالهم الخصب في فترة القرنين الماضيين حول المستقبل تمكنت خلالها البشرية من تحقيق جميع تلك الأمور الخيالية من الطيران وصولا الى القمر وغزو الفضاء وانشاء المحطات و المحميات في الفضاء الخارجي والتطور الكبير في عالم الاتصالات والانترنت والذكاء الصناعي والحوا ر بين الأجهزة وما شابه ذلك والقادم يتعدى حدود الخيال البشري. لو تخيلنا ما يحصل بعد ألف عام من الان لنرى ان ذلك مستحيلا. التغير او انقلاب الفكري تأتي بدرجتين ، الاول من الدرجة الأولى وتأتي الثانية بالدرجة الثانية. وتشمل التغير في النمط الفكري للبشر لكنه احيانا يكون منعطفا حادا في حياة الإنسان.
استخدم مصطلح” الباراديغم” للمرة الأولى من قبل العالم توماس كوهن في كتابه ( بنية الثورات العلمية- 1962) ، كي يفسر عملية التغير ها هنا بمفهوم الجذري منه وما يسمى بالدرجة الثانية من التغير وهو تغير تطوري في حين هناك تغير هامشي طفيف من الدرجة الاولى غير جذري كما عليها عمليات التجميل. اما المتغير بالتغير الجذري والتفكير خارج الإطار الذي تعود عليه الإنسان سيحل معظم الإشكاليات المستعصية حلها. البشر لهم مهارات مختلفة للتغير. هناك مجاميع تقبل التغير مباشرة حال حدوث مستجد واخرون مترددون والمجموعة الاكبر هم هؤلاء من الرافضين لأي تغير. بالتأكيد المجموعة الاولى تتطور بسرعة بينما تبقى المجموعة الثالثة تعيش في الماضي وتكرر هفواتها. كما هوعليه حال الشعب العراقي بعد كل تغير في السلطة وخاصة بعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣ وسقوط الكيان المتمثل بسطوة الفكر الأحادي القومي السلبي. المجموعة الاولى تكون من أبناء الطبقة المتعلمة ومتطورة حضاريا وتقبل التغير وتتلاءم معه بينما يبقى مجموعات أخرى تندب حظها وتغني للماضي التليد ” الجميل”.
العلم والتعلم هي بحد ذاتها عملية تغيرية معرفية. كل ما نتعلمه من جديد يغير في تفكيرنا وحتى من سلوكنا. لابد الاشارة ها هنا الى ان للتعليم الغير مباشر دور كبير في تغير سلوك البشر. للتوضيح حين تشتري هاتفا خلويا وتعطيه هدية الى احد ابناءك فانك تعلمه في نفس الوقت. لان بمجرد فتح الهاتف يقوم بالتعلم ليس في طريقة استخدامه بل وعن طريق البرامج والتطبيقات ناهيك عن وسائل الاتصال والانترنت والذكاء الصناعي Artificiell intelligens وامور اخرى كثيرة. هذه الطريقة في التعليم بستخدم كثيرا في الغرب. نرى مثلا ان معظم المدارس الإعدادية في السويد مثلا يهدون كومبيوتر نقال ( لاب توب) الى تلاميذهم. التغير عن طريق التجربة (learning by doing ) يؤدي الى التغير. هناك تجارب كثيرة اجريت على الاطفال ومن المشاهدات تمكن العلماء مراقبة الاطفال في حل بعض المشاكل الصغيرة وذلك عن طريق التجربة. الطفل الذي يفشل مرة في ايجاد الحل يعيد الكرة والكرة الأخرى الى ان يجد الحل في النهاية. وعند اهداك إياه أي جهاز سيحاول ان يتعلم من خلاله. التراكمية المعرفية مهمة في التطور وتغير النظرة الى الأشياء. نحن نقوم عن طريق التعلم بحذف افكارنا القديمة وقبول الجديد والمجرب والعلمي. هل كنا سنرى كل هذا التطور العلمي والمعرفي والتكنولوجي لولا ان الإنسان رفض القديم وحاول تغيرها وعمل المستحيل كي يغير بساط الريح الى طائرة. تعلم الطيران واكتشف ، التلفزيون، اجهزة الاتصالات الحديثة والتطور في العلوم الطبية ونانو تكنولوجي والذكاء الصناعي اكتشاف مصادر الطاقة والمتنوعة واثبات النظريات القديمة او دحضها واكتشاف الخارطة الجينية للبشر والعلوم الاخرى. كلها كانت مستحيلة وفي عالم الخيال حتى قبل مائة عام. اليوم نرى الإنسان يسبح في الفضاء الخارجي ويرسل لنا صورا عن الارض

Screenshot

خوذة رائد الفضاء من المتحف الروسي في ملقا، الاندلس

لهذا يعتبر التعليم محفزا للتغير من الدرجة الثانية الجذرية منها. مشاهداتنا للتغيرات في السياسة الدولية والتغيرات التي حصلت خلال المائة سنة الاخيرة نرى العديد من الدول تغيرت فيها الحكومات والسياسات. ما كانت دولة اشتراكية تحولت في يوم وليلة الى دولة رأسمالية تندد بسياسة الحكومات السابقة. لا بل حتى تمنع الاحزاب السابقة من العمل و تقيدها. اما الناس اللذين عادة هم على دين ملوكهم فتراهم تحولوا الى مناضلين ينسجون الروايات النضالية.
كنت قد حضرت رسالة الاولى لي للدكتوراه في عهد الدكتاتور الروماني شاوشيسكو. كان احد مدرسي وزيرا سابقا. وبعد ان تغير النظام التقيت به فاذا به أصبح عضوا في المجلس الوطني الجديد ومن قادة الثورة. سالته عن سبب هذا التغير المفاجئ فذكر لي بانه كان يناضل في السر وما اكثرهم اليوم وبعد عام ٣٠٠٣ في العراق بعد ان استشهد المناضلين الحقيقيين.
هنا لا بد الإشارة الى التغير الذي حدث في ايران مع مجيء رجال الدين الى السلطة وانهاء نظام الشاه محمد رضا بهلوي في ايران وكذلك الى التغيرات التي جاء بها ما يسمى بالربيع العربي في محيط الدول في شمال افريقيا ما عدا المملكة المغربية ودول الشرق عام . الناس كما يقلل على دين ملوكهم. تراهم قد نسوا مبادئهم القديمة واتخذوا من مبادئ معارضيهم اللذين كانوا يعادوهم ويزجون بهم السجون ويعذبونهم لينالوا العقاب حتى قرارات الإعدام والتي الغيت في الدول المتحضرة.الشرق بصورة عامة غير قادر على التغير من الدرجة الثانية وهي متعلقة دوما بماضيها وتعتبرها مقدسة مطلقة غير قابلة للتغير. هذا المفهوم المحافظ لا ياتي بجديد بل دائما التغيرات في هذه المجتمعات تكون على شكل عمليات تجميله دون المساس بالأصل ونبذ القديم تماما في إعادة كتابة كل شيء ومن جديد.وار الأمثلة نشاهده في سوريا اليوم.

Screenshot[/capt
حين تسكن الحمامه مع عدوتها اللدود القط في سلام.

هناك حوادث كثيرة في التاريخ غيرت مجراها. سأروي لكم ما حصل في مملكة الدنمارك ابان الاحتلال النازي لهذه الدولة. من المعروف بان زعيم النازية النمساوي (اودولف هتلر) كان قد قرر امحاء الوجود اليهودي والشيوعي من اوربا وذكرهم بعبارات صريحة كأعداء للامة الألمانية في الكتاب الوحيد الذي الفه وهو سجين في مدينة ميونخ جنوب المانيا في مقاطعة بفاريا اي كتاب ( كفاحي). هنا اريد ان اشير بان الشعب الألماني لم يتغير في افكاره بين يوم وليلة ولا تزال الافكار النازية تراودهم لا بل تراود معظم شعوب اوربا اليوم رغم مآسي الحرب العالمية الثانية. الغريب ان دولا احتلت من قبل الجيش النازي وجرى على ثراها حروب وماسي على أراضيها نرى ابنائها اليوم ينخرطون في الحركات النازية الجديدة دول مثل بولونيا، جيكيا، رومانيا، هنكاريا النروج، النمسا، الدنمارك وفرنسا ودول اخرى. لا يمكن ايعازها الا الى عدم الرضى الشعب من سياسة حكوماتهم وعدم حلها لمشاكلهم اليومية. لذا نرى العديد من الأحزاب القومية السلبية والمتطرفة قد اجتاحت برلمانات الدول الأوربية وحتى برلمان الاتحاد الأوربي وتتمحور سياساتهم في معاداة الأجانب من المهاجرين في دولهم.. هذا ما لمسته بنفسي في الجامعة عند دراستي الجامعية في النمسا قبل اكثر من خمسة و اربعون عاما خلت وخاصة بين الشباب الجامعي القومي. هؤلاء كانوا يلبسون الملابس الشعبية لتميز أنفسهم عن الطلاب الاخرين٠
اعود الى حكايتنا حيث امر الدكتاتور هتلر ملك الدنمارك بعد احتلاله للمملكة بان يأمر جميع اليهود بخياطة نجمة داوود صفراء على معاطفهم لتميزهم من الغير اليهود. يجب ان لا ننسى بان انذاك كان الجيش النازي قد احتل كامل مملكة الدنمارك و النرويج وبقت مملكة السويد على الحياد. لكن الملك الدنماركي خرج في اليوم التالي الى شعبه وهو يلبس معطفا اسودا خاط على احدى جهاته نجمة داوود الصفراء. هذا هو التغير من الدرجة الثانية اي الغير منتظر والغير متوقع.
هناك خاصية اخرى لعملية التغير وهي التراكمية. اي تبدا صغيرة في البداية ثم تتدحرج ككرة الثلج لتكبر وتكبر مع تدحرجها. هذه الخاصية غير رجعية اي ان التغير تطوري ولا ترجع الامور الى ما كان عليها سابقا. هذا ما نراه كذلك في التغيرات السياسية فمهما حاولنا لا يمكننا ان نعود الى الوراء. كما هي عليها في العلوم فهي تراكمية وتمسح وتزيل ما قبلها عند اكتشاف الجديد اللذي يبرهم خطأ القديم. لهذا نرى بان سنوات الاخيرة أي القرنين الماضيين شهدت تغيرات جذرية في جميع نواحي الحياة. يعتبر التعليم محفزا للتغير في السلوكيات ونرى كذلك تعيرات موازية في السياسة الدولية وحيث نرى تغيرات في حكومات واخرى في ظهور دول جديدة وقوى اقتصادية في حين نرى من ناحية اخرى زوال قوة مهيمنة وتفكك دول وكيانات. وكانت التغيرات العلمية في تلك الفترة التاريخية جذرية مما ادى الى اكتشافات كانت في عداد الخيال الإنساني.
كل تلك التغيرات حصلت نتيجة لقبول التغير والتجديد ورفض هيمنة الفكر القديم خاصة المطلق منه خاصة بعد الثورة الفرنسية. الشعوب التي رفضت التغير وبقت محتفظة على القديم تحولت الى دول مستهلكة للإنتاج العلمي والمعرفي القادم من الدول المتطورة. اي هم يشترون الإنتاج التكنولوجي فقط للاستعمال دون تصنيعها او حتى الاطلاع على العلوم المعرفية التي سوف تؤهلهم لصنع تلك الأجهزة والآلات والمكائن في المصانع. يبقى ان نعلم ان تلك الشعوب ستبقى طويلا تراوح في مكانها دون اي خطوة الى الأمام. هذا جعل من العلوم والمعارف والمعلوماتية مادة وأداة للتحكم يستخدمها الدول المتقدمة يصدرونها لدول العالم وبذلك يسطرون على مقتدرات الشعوب. فقط بواسطة المعرفة يمكننا تجاوز جهل مجتمعاتنا . بقائنا أحرار في المستقبل مرهون بقدرتنا على التغير ونبذ كل فكر يوقف وظيفة عقولنا وذلك بتخطي السقوف النمطية التي تحدد وتوقف مدى تفكيرنا. هذا الرفض للتغير نراه اليوم في العديد من الدول الفقيرة والمتأخرة.
الوجود والتفكير مرتبطان بالحياة البشرية في الكوكب الأرضي وهما حق انساني وليس بوهم. البشرية ، الوجود و الحياة بكافة أشكاله مرتبط بتغير جذري في الفكر الإنساني. هذا التغير شامل الا الحق سبحانه وتعالى الذي يؤمن به كافة البشرية ومن مختلف الاديان والعقائد. يجب ان يكون التغير من الدرجة الثانية ولا يستثني احد او مجموعة. فكريا يلغي هذا التصور جميع المبادئ المعمول بها والقوانين الإنسانية منذ قوانين حمورابي ولحد يومنا هذا. هذه ليست بفكرة تبدو للوهلة الاولى انها متطرفة اذا عرفنا السبب المباشر لهذا الرأي الا وهو التساؤل حول اذا كان بقاء البشرية خالد ام فنائها ممكن يوم القيامة. لان هناك عالم اخر بعد القيامة ويوم الحساب.
قارئي الكريم، كل شيء في عداد المجهول وجميع الصراعات الموجودة اليوم في القرن الواحد والعشرون تختفي في المستقبل. يبقى ان نعلم بان الحق المطلق سيبقى خالدا رغم كل التغيرات. كنت قد أشرت الى نظام الاحتمالات في الرياضيات وكيف ان الأنظمة تختفي بعد.ظهور أساليب جديدة للتفكير فبعد ان عرف الإنسان الرياضيات والحساب اكتشف في نهاية المطاف بان هناك احتمال اخر لا يمكن حسابه والتكهن به واسماه العامة القضاء و القدر و مشيئة الرحمن عز وجل بينما اسماه العلماء النظرية المبهمة. هذا النظام المبهم هو أساس جميع الأنشطة الإنسانية لان كل شيء يمكن تفاديه اذا عرفنا احتمال حدوثة ودرجة ذلك الاحتمال الا المبهم منه. لكن الإرادة الإلهية لا يمكن في حال من الاحوال توقعه حسابيا فهي في نهاية الامر غيب وعلمه عند الخالق سبحانه وتعالى حتى ولو كان المنجمون صادقين في بعض توقعاتهم.

عشية عام الجديد 2026

قد يعجبك ايضا