«ثلوج شقلاوة وحنين الأيام الغابرة»

تزرين يعقوب سولا

كان الشتاء في شقلاوة يشبه حضن الأم… بارداً من الخارج، دافئًا من الداخل. لم نكن نخاف البرد، لأن القلوب كانت أدفأ من كل المواقد، ولأن البيوت، مهما ضاقت، كانت تتسع للجميع.نجتمع حول المدفأة، نمد أيدينا الصغيرة نحو النار، لا لنشعر بالدفء فقط، بل لنشعر ببعضنا. صوت المطر على السقوف، وصفير الريح بين الأشجار، وضحكات خافتة تتسلل من بين الكلمات… كل شيء كان بسيطًا، وكل شيء كان كاملًا……
أتذكر الدبس والثلج… كنا نأكله ببراءة الطفولة ، بلا خوف ولا اعتراض من الأهل. كان البرد صديقنا لا عدوّنا، وكانت الأمهات يضحكن أكثر مما يقلقن، لأن الصحة كانت تُقاس بالضحكة، لا بالتحذيرات.
نغرف الثلج بأيدينا الصغيرة، ونخلطه بالدبس، كأننا نخلق فرحنا بأبسط ما تملك الحياة. لم يكن أحد يخيفنا بالمرض، ولم تكن كلمة “احذر” تطغى على كلمة “استمتع”. كنا نمرض أحيانًا، نعم، لكننا كنا نشفى سريعًا… لأن القلوب كانت أخف، والبيوت اکثر حباً…
أكثر فاكهة الشتاء حضورًا كانت الرمان… محفوظة بعناية، متدلّية من السقوف كقناديل حمراء، تنتظر أيام البرد الطويلة. كل حبّة كانت تُؤكل بتأنٍ، وكأنها كنز لا يُهدر. والزبيب حاضر دائمًا، بسيطًا، حلوًا، يملأ الأيدي الصغيرة فرحًا.
أما الجوز، فلم يكن مجرد طعام، بل طقس شتوي له اسمه الخاص: (شەو چەلە). ليلة يجتمع فيها الجميع حول النار، تُكسر القشور، وتُحكى القصص، وتعلو الضحكات. كانت الأصوات تختلط: فرقعة الجوز، وحفيف الحطب، ودفء الحديث الذي لا يُنسى.
لم تكن الفاكهة تُشترى من الأسواق، بل تُدّخر من الصيف للشتاء، كأن الزمن كان يُدار بحكمة. كل شيء له وقته، وكل لذة لها انتظارها. كنا نفرح بالقليل، لأن القليل كان صادقًا.
اليوم كثرت الفاكهة وقلّ طعمها، وتغيّرت الطقوس، وغابت ليالي شەو چەلە إلا من الذاكرة. لكنها ما زالت حيّة فينا، كلما نظرنا إلى سقف قديم، أو كسرنا جوزة، أو تذكّرنا كيف كان الشتاء يعلّمنا الصبر… والفرح.

قد يعجبك ايضا