الصحفي والمحامي/ عرفان الداوودي
يشكّل هدر المال العام أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة العراقية، ليس فقط لما يسببه من استنزاف للموارد، بل لما يخلّفه من آثار قانونية وإدارية تمس جوهر الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وفي مقدمة مظاهر هذا الخلل، تبرز ممارسات بعض مجالس المحافظات التي انحرفت عن مهامها الدستورية والرقابية، وتحولت من أدوات خدمة عامة إلى عبء مالي وإداري يثقل كاهل الدولة ويعطل مصالح المواطنين.
فبدلاً من الاضطلاع بدورها في التشريع المحلي والرقابة على الأداء التنفيذي، انشغلت بعض المجالس بصراعات داخلية، وسباق محموم على المناصب واللجان، ترافقه امتيازات غير مبررة من أساطيل سيارات، ومخصصات مالية مرتفعة، وحمايات شخصية، وسواق، تُصرف جميعها من المال العام دون معايير واضحة للضرورة أو الكفاءة، وبلا انعكاس فعلي على مستوى الخدمات أو التنمية المحلية.
وتتجلى خطورة هذه الممارسات في الاستخدام غير المشروع للأدوات الرقابية، حيث تُستغل الاستجوابات وإجراءات المساءلة في بعض الحالات لأغراض شخصية أو حزبية، عبر الضغط لتغيير مدراء الدوائر بحجج التقصير أو تهم غير مكتملة الأركان القانونية، في تجاوز واضح لمبدأ الفصل بين السلطات، وإضرار مباشر باستقرار المؤسسات التنفيذية، وليس تحقيقاً لمصلحة المواطنين.
ويُعدّ مجلس محافظة ديالى نموذجاً صارخاً لهذا الاضطراب، إذ شهدت رئاسته إقالات متكررة لرئيس المجلس السيد عمر الكروي، ثلاث مرات متتالية، قبل أن تُعاد شرعيته في كل مرة بقرارات صادرة عن المحكمة الاتحادية العليا، ما يعكس حجم التخبط الإداري والصراع السياسي، ويؤشر إلى هدر مزدوج للوقت والجهد العام، فضلاً عن إشغال السلطة القضائية بقضايا كان يمكن تفاديها بالالتزام بالقانون.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد شهد أحد اجتماعات مجلس محافظة ديالى تطور الخلافات إلى اشتباكات بالأيدي وسحب أسلحة داخل قاعة الاجتماع، ما استدعى تدخل قوات التدخل السريع لفض النزاع وإعادة النظام. إن هذه الواقعة الخطيرة لا تمثل مخالفة إدارية فحسب، بل تشكل تهديداً مباشراً لهيبة الدولة، وتثير تساؤلات قانونية وأخلاقية جوهرية حول أهلية من يمارس العنف داخل مؤسسة رسمية لإدارة شؤون محافظة بأكملها.
كما يُسجل تدخل بعض أعضاء مجالس المحافظات في الشأن التنفيذي دون امتلاك الخبرة الوظيفية أو الإدارية اللازمة، إذ تشير الوقائع إلى أن نسبة كبيرة منهم لم يسبق لها العمل في دوائر الدولة، الأمر الذي يؤدي إلى قرارات ارتجالية، وتعطيل الإجراءات القانونية، وإرباك الأداء المؤسسي، بدلاً من تصحيحه أو تطويره.
ولا يقتصر النزيف المالي والإداري على مجالس المحافظات وحدها، بل يمتد ليشمل منظومة الامتيازات الواسعة، من حمايات النواب، والدرجات الخاصة، والرئاسات الثلاث، والرواتب والمخصصات العالية التي تُصرف دون معايير عادلة أو ربط فعلي بالأداء، فضلاً عن وجود حالات تقاضي رواتب دون وجه حق، في مخالفة صريحة لمبادئ العدالة المالية والانضباط الوظيفي.
إن معالجة هذا الواقع تتطلب مراجعة قانونية وإدارية شاملة وصادقة، تبدأ بإعادة تقييم دور مجالس المحافظات، وضبط صلاحياتها وامتيازاتها، وتفعيل مبدأ المساءلة وفق القانون، وربط الرواتب والمخصصات بالأداء الفعلي، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه أو إساءته لاستخدام المنصب العام.
فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات أو البيانات، بل بإرادة سياسية صلبة، وتطبيق صارم للقانون، واحترام المال العام بوصفه أمانة دستورية، لا غنيمة سياسية، وبذلك وحده يمكن استعادة ثقة المواطن وبناء دولة مؤسسات حقيقية.