النفط وحده لا يبني دولة: درس لم نتعلّمه بعد

د. محمد صديق خوشناو

بين الثراء النفطي والفشل الإداري، يقف العراق اليوم أمام معضلة مألوفة: ثروة هائلة لا تُستثمر، وسياسات قصيرة الأمد تهدد استقرار الدولة والمواطن.
هذا المقال يقدّم قراءة وطنية صادقة في سبب هذه الأزمة، مع أمثلة مقارنة من تجارب دولية ناجحة وفشل العراق المتكرر.

لا أدّعي أنني خبيرٌ في الاقتصاد أو التخطيط المالي، لكن خبرتي المتواضعة في التخطيط التعليمي والتربوي، وإدارة مؤسسات تدريبية في بريطانيا، بالإضافة إلى تجربتي في الجامعات الحكومية والأهلية في إقليم كوردستان العراق، علّمتني أن غياب الرؤية بعيدة المدى لا يمرّ بلا ثمن، وأن سوء التخطيط في أي مجال التعليم، الإدارة او الاقتصاد ينتهي دائماً بكلفة يتحمّلها المواطن والدولة معاً.

الدول المنتجة للنفط تتوزع عملياً إلى نموذجين:

أولاً، الدول التي أحسنت التخطيط واستثمرت عوائد النفط في مشاريع إنتاجية وتنموية مستدامة، خلقت مصادر دخل موازية أخذت تتنامى تدريجياً حتى أصبحت تضاهي أو تتجاوز الإيرادات النفطية نفسها. ومن أبرز الأمثلة النرويج بصندوقها السيادي الضخم.
الإمارات العربية المتحدة مثال آخر على الدول التي استثمرت عائداتها النفطية في الطيران، الموانئ، السياحة والطاقة المتجددة.
وكذلك المملكة العربية السعودية التي بدأت برامج التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

ثانياً، الدول التي اعتمدت على النفط دون تخطيط مستدام، ومنها العراق، حيث تُدار الثروة النفطية بعقلية إنفاقية قصيرة الأمد، بلا رؤية واضحة ولا تنويع حقيقي، وكأن شعارها: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». الاعتماد على الأزمات وارتفاع أسعار النفط مؤقتاً ليس سياسة اقتصادية، بل تأجيل للأزمة، وأصبح واضحاً أن أي انخفاض في الأسعار يضعف الموازنة ويهدد الاستقرار.

تفاقمت المشكلة مع تضخّم الجهاز الوظيفي الحكومي، حيث أُنشات آلاف الوظائف بلا حاجة فعلية، لتصبح الرواتب عبئاً ثابتاً على الموازنة، وتتحوّل الأزمات المالية إلى سياسات تقشفية يتحملها المواطن وحده. ويزداد تعقيد الوضع في رواتب موظفي إقليم كوردستان، التي بقيت رهينة التسويات السياسية المؤقتة، ما عمّق الإحساس بعدم العدالة وقلّل الثقة بين الدولة والمواطن.

إن الفشل الاقتصادي في العراق ليس منفصلاً عن الأداء السياسي. فالدولة التي تفتقر إلى عقل سياسي متوازن لا يمكن أن تنتج سياسة اقتصادية رشيدة. والاستقرار السياسي، القائم على التوافق ورفض التفرد وإدارة التوازنات، هو الشرط الأول لأي إصلاح اقتصادي حقيقي. وإذا لم تُستثمر فرص الاستقرار الإقليمي والهدوء السياسي في مشاريع إنتاجية وتنموية، فإن العراق سيبقى رهينة لتقلبات النفط وأزمات السياسة المؤجلة.

في الخلاصة الاعتماد الأحادي على النفط، وتضخيم الوظيفة العامة، وترحيل الأزمات المالية من حكومة إلى أخرى، كلها مؤشرات على غياب العقلانية في إدارة الدولة. العراق اليوم بحاجة إلى شجاعة سياسية تعترف بالخلل، وتنتقل من سياسة المسكنات إلى إصلاح مؤلم لكنه ضروري. الدولة لا تُبنى بالأزمات، ولا تُدار بالتمنيات، بل تُنقذ فقط حين تتقدّم العقلانية الوطنية على الحسابات الضيقة، وحين يصبح التخطيط لا ردّ الفعل هو أساس القرار.

قد يعجبك ايضا