أحمد زبير باني
الزمن ليس خطًا مستقيمًا، وتلك الزوايا التي نرسمها على الورق ليست سوى محاولات عبثية للسيطرة عليه. ففي صمت الجبال والسهول، يتنفس الإيمان بحرية، بعيدًا عن الجداول والتقاويم والأيديولوجيات التي صنعتها أيدينا، ليعود إلى معناه الأول: حضورٌ صادق في القلب قبل أن يكون نظامًا في الذهن.
الإيمان الحقيقي ليس ذاك الذي نتعلمه بالكلمات وحدها، ولا هو ما نكدسه في الكتب؛ بل هو نبض المكان، وامتداد الروح نحو الفضاء والنور، هدايةً تتغذى من الوحي وتظهر آثارها في السلوك. في كوردستان، تعلمت الأنهار أن تجري كما تشتهي قلوبها، وتعلمت الجبال أن تصمت بالهيبة المطلوبة، وتعلم البشر أيضًا أن يرتبطوا بذلك الصمت أولًا، قبل أن ينطقوا بالكلمة، وقبل أن يمنحوها معناها.
الفطرة بين الصخور
حين يتأمل المرء تلك الصخور التي قاومت لآلاف السنين، يدرك أن النقاء يولد من الفطرة قبل أن تصوغه الأنظمة، وأن القوة الحقيقية ليست في كثرة الجيوش بل في ثبات القيم، وأن الرحمة سابقة على كل تصنيف وانتماء. هناك، يتجلى المعنى الأول للإيمان كما خُلق في القلب، ثم جاءت الرسالات لتقومه وتوجهه، لا لتلغيه.
وكل فقيه، وكل شيخ، وكل مؤمن، إنما يعكس أثر المكان والزمان في فهمه، دون أن ينفصل عن الأصل الذي يجمعهم. ومن هنا يولد المسلم الكوردي: لا كتعريف جامد، بل كتجربة حيّة، تتحرك بين الفطرة والهداية، كصدى الأرض في قلب الإنسان الذي يعبرها وهو واعٍ بثقل الأمانة وجمال الطريق.
اللغة التي لا تُكتب
الإيمان الكوردي لا يُختزل في شعارات، ولا يُحتكَر داخل أطر حزبية أو تأويلات ضيقة، بل يتغذى من الوحي كما يتجلّى في السلوك. إنه لغة الضوء والظلال، لغة الأنهار والرياح، لغة الصمت الذي يسبق الكلمة، والكلمة حين تصدق الفعل. فكل تعامل إنساني هو شاهد على ما في القلب، وكل ابتسامة أو يدٍ ممدودة تذكيرٌ بأن الإيمان في جوهره عملٌ يُعاش، قبل أن يكون فكرةً تُقال.
التنوع كينبوع
حين تصعد إلى أعالي الروابي، ترى القرى منبثقة على المنحدرات؛ لكل منها قراءتها الخاصة للسماء، ولكل منها طريقتها في ممارسة دينها كما وهبتها الطبيعة ووجّهتها الهداية. لا توجد تراتبيات مطلقة ولا قواعد متزمتة، بل تنوع فطري يحفظ المقصد ويختلف في المسار: احترام الاختلاف قبل الفهم، والمحبة قبل إطلاق الأحكام، والنية الصادقة قبل الادعاء.
وفي كوردستان المعاصرة، يظهر هذا التنوع أيضًا في الممارسة الاجتماعية والسياسية، حيث يعكس نهج البارزاني ومبادئه حماية هذا التعدد والتسامح والتآخي بين كافة مكونات المجتمع الكوردي بكل أطيافه وألوانه، لتصبح القيم التي نتأملها في الطبيعة والحياة اليومية جزءًا من تجربة اجتماعية ملموسة، تعزز السلام والوئام بين الناس.
الخاتمة: القلب الذي يعرف قيمته
الإيمان الحقيقي ليس شعارات مرفوعة ولا أفكارًا محفوظة، بل حياة تُعاش بوعي. حين ندرك أن كل خطوة نخطوها فرصة للتواصل مع الذات ومع الآخرين، وأن كل كلمة صادقة أو ابتسامة خالصة انعكاس لروحنا، عندها نستطيع أن نجعل حياتنا اليومية صلاةً مستمرة، وسلوكًا شاهدًا على ما نؤمن به.
في الختام، يمكن لكل إنسان أن يكون مرآةً للخير في قلبه، وصدىً للسلام، وامتدادًا للرحمة في عالم يحتاج إلى الوعي أكثر من أي وقت مضى. الإيمان هو أن نرى في كل شخص فرصةً لسمو الروح، وفي كل مكان مجالًا للحياة بصدق ولين؛ لتغدو تجربتنا الإنسانية كلها رحلةً نحو نور البصيرة، ذلك النور الذي لا يُسجن ولا يُشترى ولا يُفرض، بل يُروى بالمحبة والاهتمام اليومي