النزعه الإنسانيه في الاغاني الفيروزية (حين يصبح الغناء موقفا من الوجود)

إبتهال عبد الوهاب

الأغنية الفيروزية ليست خطابا، ولا بيانا عاطفيا، ولكنها فعل مقاومة ناعم ضد ابتذال الإنسان. مقاومة لا تشهر القبضة، بل تعيد ترتيب المشاعر ، وتذكر الكائن بأنه خلق ليشعر قبل أن يصنف، وليحب قبل أن ينتمي
الأغنية الفيروزية ليست حكاية حب ولا نشيد وطن فحسب، هي فعل إنساني خالص؛ انحياز صامت إلى الإنسان بوصفه كائنا هشا، لا بطلا أسطوريا ولا رقما في نشرة سياسية.
فيروز لا ترفع صوتها لتنتصر، لكن لتواسي. لا تصرخ كي تقنع، بل تهمس كي تذكرنا بأننا ما زلنا بشرا.
النزعة الإنسانية في أغانيها تتجلى في هذا الإصرار على اليومي الصغير: فنجان القهوة، الدرب، الصباح، الشباك، الانتظار، الغياب
العادي الذي لا يكتب التاريخ عنه. إنها إنسانية ترى الخلاص في التفاصيل، لا في الشعارات، وتبحث عن المعنى في العيش لا في الادعاء
فيروز لا تغني عن الحب بوصفه خلاصا رومانسيا، لكن بوصفه تمرينا أخلاقيا على الاعتراف بالآخر. في أغانيها لا يمتلك الحبيب، ولا يستخدم كوسيله، ولا يحول إلى مشروع اكتمال، بل يترك إنسانا، ناقصا، حرا، قابلا للغياب. وهنا تتجلى نزعة إنسانية نادرة: حب لا يلغي المسافة، بل يحترمها
وحين تغن للوطن، لا تجعله فكرة متعالية أو صنما مقدسا، بل بيتا مكسور النافذة، أما تنتظر، وشارعا يعرف أسماء العابرين. الوطن في الأغنية الفيروزية ليس ما نقتل من أجله، بل ما نريد أن نعيش فيه بكرامة.
هو المكان الذي يسمح للإنسان أن يكون إنسانا، لا ساحة امتحان للولاء. لذلك تبدو أغانيها الوطنية أقرب إلى الأخلاق منها إلى السياسة، وأقرب إلى السكن منها إلى الهتاف.
وهنا تتجلى إنسانية نادرة: وطن يحب لأنه مأوى وملاذ الإنسان، لا لأنه شعار
حتى الحزن في أغانيها لا يتحول إلى مأساة متاجر بها، بل يبقى، شفافا كدمعة خجولة. لا دعوة إلى اليأس، ولا إغواء بالبكاء، بل اعتراف صادق بأن الألم جزء من التجربة الإنسانية.. الحزن في كلماتها لا يقدم بوصفه مأساة استعراضية، بل كمعرفة. الحزن في الأغنية الفيروزية خبرة وجودية. قبول هادئ بأن الألم أحد شروط الوعي.
حتى الحزن في أغانيها لا يطلب الشفقة.
«أنا لحبيبي، وحبيبي إلي»
جملة تبدو بسيطة، لكنها إعلان وجودي:
الانتماء هنا ليس عقد امتلاك، بل اختيار حر، مؤقت، قابل للانكسار.

وهذا ما يجعل الحب إنسانيا لا مقدسا.
الفلسفة الكامنة في الصوت الفيروزي هي فلسفة التفاصيل. التفاصيل التي تجاهلتها الأيديولوجيات لأنها صغيرة، بينما صنعتها الأغنية لأنها حقيقية.
(( فنجان القهوة، الصباح، الود.،الجسر، المطر ،الانتظار، الطريق…))
هذه ليست رموزا، بل براهين على أن المعنى لا يسكن في القمم، بل في العيش نفسه
حين تقول:
«نحنا والقمر جيران»
فهي لا تكتب صورة شاعرية، بل تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالكون.
الإنسان هنا ليس سيد الطبيعة ولا عبدها، بل جارها؛ كائن يعيش على الحافة، بلا امتيازات ميتافيزيقية.
النبرة الوجودية في الأغنية الفيروزية لا تبحث عن الخلاص، بل عن المعنى المؤقت، ذلك المعنى الذي يولد ثم يختفي، دون أن يعد بالخلود.
«بكتب اسمك يا حبيبي عالحور العتيق»
هو فعل إنساني يشبه ما قصده نيتشه حين تحدث عن الإنسان الذي يخلق قيمه بيده، لا لأنه خالد، بل لأنه يعرف أنه زائل.
كان عنا طاحون…»
ليست حنينا إلى الماضي، بل وعيا بأن الزمن لا يعود، وأن الذاكرة ليست بيتا، بل جرحا مفتوحا نتعلم كيف نعيش معه.
فيروز، في جوهرها، لا تغن عن الإنسان، بل تغن من داخله. صوتها مساحة محايدة بين المتخاصمين، وملجأ للمنهكين من الضجيج.
فيروز لا تقنع، ولا تجادل، ولا تعلن يقينا.
صوتها يقف على مسافة واحدة من الجميع، كضمير لا ينحاز إلا للإنسان حين يترك وحيدا. لذلك لا يشيخ هذا الصوت، لأنه لم يدخل معركة الزمن، بل اختار أن يحرس جوهر التجربة البشرية
لذلك أيضا تبدو أغانيها خارج الزمن، لأنها لم تكتب لمرحلة، بل للحالة الإنسانية نفسها.
هي فلسفة غير معلنة، لكنها عميقة:
هي لا تقول لنا ماذا نفعل، بل تعيدنا إلى سؤال أسبق:
كيف نكون بشرا دون أن نفقد رقتنا؟
كيف نحيا دون أن نتحول إلى أدوات؟
أن تكون إنسانا يعني أن تحب بصمت، أن تشتاق دون ادعاء، وأن تؤمن بأن الجمال ليس ترفا، بل ضرورة أخلاقية
وفي عالم يعلو فيه الصراخ، تظل فيروز تذكيرا رقيقا بأن الإنسانية لا تحتاج إلى مكبر صوت… بل إلى صوت يشبهها.
في عالم يطالب الإنسان بأن يكون صلبا، منتصرا، صاخبا،
تأتي فيروز لتقترح إنسانا آخر:
إنسانا لا يخجل من رهافته
ولا يطلب إذنا ليحزن
ولا يحتاج إلى يقين كي يستمر.
ذلك هو جوهر النزعة الإنسانية في الأغنية الفيروزية.

قد يعجبك ايضا