الاحتكار في الفقه الإسلامي

د. سمية سلمان ابراهيم

يُعدّ الاحتكار من القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي أولى الفقه الإسلامي عناية كبيرة لما له من آثار مباشرة في حياة الناس ومعاشهم، ولما يسببه من ظلم وإضرار بالمصلحة العامة إذا تُرك دون ضوابط. وقد جاء الإسلام بمنظومة متكاملة من القيم والأحكام التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاقتصادية، ومنع الاستغلال، وصيانة حقوق الأفراد والجماعة، فجاء تحريم الاحتكار جزءًا من هذا البناء التشريعي القائم على تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ النفس والمال ودفع الضرر.
يقصد بالاحتكار في اللغة الحبس والمنع، ويقال احتكر الشيء إذا حبسه انتظارًا لغلاء ثمنه. أما في الاصطلاح الفقهي، فيُراد به قيام شخص أو جماعة بحبس السلع أو المنافع التي يحتاج إليها الناس، ومنع تداولها في السوق بقصد رفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة على حساب حاجة المجتمع. وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن هذا السلوك منافٍ لمبادئ العدالة والتكافل التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام.
وقد ورد في السنة النبوية الشريفة ما يدل صراحة على تحريم الاحتكار، حيث قال النبي ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ»، وهو نص واضح في ذم المحتكر واعتبار فعله خطيئة لما ينطوي عليه من إثم وعدوان على حقوق الآخرين. كما أن النصوص الشرعية الكلية التي تنهى عن الظلم وأكل أموال الناس بالباطل تدخل فيها مسألة الاحتكار دخولًا أوليًا.
واتفق جمهور الفقهاء على تحريم الاحتكار في الأقوات والمواد الأساسية التي تقوم عليها حياة الناس، خاصة في أوقات الغلاء والأزمات. وذهب بعض الفقهاء إلى توسيع دائرة التحريم لتشمل كل ما يحتاج إليه الناس من سلع وخدمات إذا أدى احتكارها إلى ضرر عام، وهو ما يتفق مع روح الشريعة ومقاصدها.
ويستند تحريم الاحتكار إلى قاعدة فقهية عظيمة هي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، فالاحتكار يؤدي إلى الإضرار بالمجتمع، ويخلّ بالتوازن الاقتصادي، ويقوّض مبدأ العدالة الاجتماعية. لذلك أجاز الفقه الإسلامي تدخل ولي الأمر لإجبار المحتكر على البيع أو تحديد السعر العادل بما يحقق المصلحة العامة.
ويظهر من موقف الشريعة الإسلامية من الاحتكار حرصها على حماية المجتمع من الاستغلال، وضمان تداول الثروة، وتحقيق التكافل الاجتماعي. فالاقتصاد في الإسلام ليس قائمًا على الحرية المطلقة، بل على الحرية المنضبطة بالقيم الأخلاقية والضوابط الشرعية.
وخلاصة القول إن الاحتكار في الفقه الإسلامي محرم لما يترتب عليه من أضرار جسيمة تمسّ حياة الناس واستقرار المجتمع، وقد جاءت الشريعة بأحكام واضحة لمنعه ومعالجته، تحقيقًا للعدل وصيانةً لحقوق الأفراد والجماعة.

قد يعجبك ايضا