تزرين يعقوب سولا
مشرفة تربوية
إن الحفاظ على الوجود المسيحي في كوردستان مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن تكون مطلبًا لفئة بعينها. فهو حفاظ على التنوع، ولطالما كانت كوردستان صورة للتعدد والعيش المشترك، ونموذج يمكن أن يُحتذى به في منطقة أنهكتها الصراعات والانقسامات.
المسيحيون في كوردستان كنز حقيقي، لا يُقاس بالأرقام بل بالقيم، ولا يُختصر بالماضي بل يستمر بالحضور والعمل والأمل. وحماية هذا الكنز تبدأ بوقف التحريض، وصون الرموز، وترسيخ ثقافة الاحترام، لأن الأوطان التي تحمي جميع أبنائها، هي وحدها القادرة على البقاء.ليس الوجود المسيحي في كوردستان رقمًا في إحصاءات سكانية، ولا حضورًا هامشيًا يمكن تجاوزه، بل هو جذور ضاربة في عمق هذه الأرض، تمتد عبر التاريخ وتتشبث بتراب الوطن مهما اشتدت رياح الغربة. فالمسيحيون كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي لكوردستان، شاركوا في بنائها، وأسهموا في نهضتها، وتركوا بصمة واضحة في ثقافتها وتعليمها وحياتها اليومية.
عبر قرون طويلة، عاش المسيحيون في هذه الأرض بوصفهم أبناءها، لا غرباء عنها، حافظوا على لغتهم وتراثهم وكنائسهم، وفي الوقت ذاته انفتحوا على محيطهم وأسهموا في ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل. لم يكن حضورهم قائمًا على الصخب أو الادّعاء، بل على العمل الهادئ، والانتماء الصادق، والإيمان بأن الوطن يتّسع للجميع.
غير أن هذا الوجود العريق لم يكن بمنأى عن الألم. فقد تعرض لمحطات متقلبة، وبعض الانتهاكات غير المسؤولة، طالت الرموز الدينية والثقافية، فكان كسر الرموز أشد وجعًا من كسر الحجر، لأنه يستهدف الذاكرة والهوية معًا. فالتحريض لا يقتل جسدًا فحسب، بل يزرع الخوف، ويكسر الثقة، ويدفع الناس قسرًا نحو الهجرة والانسحاب من الفضاء العام.
فحين تُستباح الرموز، تُستباح القيم، ويصبح الجميع عرضة للخسارة… «ولا يفوتنا أن نُسجّل بإنصاف مواقف السلطات، كما مواقف الناس الشرفاء، الذين وقفوا بثبات إلى جانب قيم التعايش، ورفضوا الإساءة والتحريض، مؤكدين أن كرامة الإنسان واحدة، وأن العيش المشترك ليس شعارًا عابرًا بل مسؤولية أخلاقية ووطنية.»
وهكذا ظلّ المسيحي متمسكًا بأرضه، يرى في البقاء فعلا اصيلاً، وفي الإيمان بالوطن رسالة أعمق من التحديات. فحب الوطن عند المسيحي ليس شعارًا يُرفع عند المناسبات، بل التزام يومي، وصبر طويل، وجذور لا تقتلعها المنافي ولا تطمسها السنوات.