بقلم: عرفان الداوودي
شعوبٌ متآخية وعراقٌ واحد
من خلال مراجعةٍ يسيرة للتاريخ السياسي في العراق الحديث، بدءاً من تأسيس الدولة العراقية، ومروراً بالجمهورية العراقية الأولى بقيادة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، ثم الجمهورية الثانية التي قادها حزب البعث المنحل، وأخيراً الجمهورية الثالثة التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق، نجد أن المسألة الكوردية تتصدر قائمة المشكلات الوطنية العالقة التي واجهت أنظمة الحكم المتعاقبة على سدة الحكم في العراق. ويعود ذلك إلى عدم قدرتها على تفهم محتوى هذه القضية واستيعاب مكنوناتها، فضلاً عن غياب الإرادة الصادقة لمعالجتها ووضع الحلول الناجعة لها، وهي حلول كان من شأنها أن تقود إلى استقرار الدولة كنتيجة حتمية لبناء دولة عراقية قوية ورصينة.
ومن المؤكد أن غياب النوايا الصادقة لتسوية هذه القضية بما يرضي جميع الأطراف أسهم في تعقيدها، حتى غدت وكأنها معضلة مستعصية تحتاج إلى نصل جرّاح متمرّس، رغم أنها – في حقيقتها – لا تختلف عن صداعٍ بسيط لا يحتاج سوى إلى حبّة أسبرين وقسطٍ من الراحة، لا إلى جراحةٍ تزيد الطين بلّة وتضاعف العلّة. فما حاجة المصاب بصداعٍ بسيط إلى جرّاح؟! إلا إن كان القصد هو المماطلة والتسويف.
فالمسألة الكوردية في العراق واضحة المعالم، لا تحمل في ثناياها أسراراً أو شفرات معقّدة لتفكيكها، ولا غموض في المطالب الشرعية للشعب الكوردي. وكانت النتيجة الحتمية لهذه المراوغات التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة أن اتخذت القضية الكوردية مسارات مختلفة لتحقيق أهدافها ونيل حقوق الشعب الكوردي المشروعة، عبر مراحل طويلة من النضال السلمي، والمسلح عند الضرورة.
لقد كان الكورد، على الدوام، أول من يجلس إلى طاولة الحوار، وآخر من يلجأ إلى السلاح وسيلةً لفضّ النزاعات، وهو ما أثبتته التجارب التاريخية منذ العهد الملكي، مروراً بالعصور الجمهورية. فقد اتسمت الرؤية الكوردية تجاه الدولة العراقية بمفاهيم قومية وإنسانية عميقة، انطلقت من إدراكهم لوحدة المصير بين أبناء الشعب العراقي بمختلف مكوّناته، وتقديمهم الحوار الوطني وسيلةً لمعالجة قضايا الوطن، بما يعزز قدرة العراق على توظيف طاقاته في بناء الدولة والمجتمع على أسس سليمة.
ويزخر التاريخ العراقي الحديث بمحطات مشرقة من النضال الكوردي، كان من أبرز إنجازاته إقرار النظام الفيدرالي، الذي شكّل إطاراً قانونياً ينظم العلاقة بين إقليم كوردستان والدولة العراقية. ولا يخفى على أحد ما لهذا النظام من دور كبير في تعزيز الاستقرار، خصوصاً أن تجربة الفيدرالية في الإقليم، وما حققته من نتائج إيجابية في البناء والإعمار، مهّدت الطريق نحو اللامركزية الإدارية في عموم العراق عبر نظام الحكومات المحلية، الذي لو طُبّق بصورة صحيحة لكان له بالغ الأثر في تقدم الدولة العراقية.
وعند الحديث عن هذه الإنجازات، لا بد من التوقف عند النواة الأولى للحكم اللامركزي في العراق، والمتمثلة بتجربة الحكم الذاتي، التي جاءت كمبادرة لحل القضية الكوردية في ظل حكم نظام البعث المنحل. فقد شكّل بيان اتفاق 11 آذار 1970، المعقود بين القيادة الكوردية ممثلةً بالزعيم التاريخي مصطفى البارزاني والحكومة العراقية آنذاك، محطةً مهمة في تاريخ العراق الحديث. وقد أشاد الكورد، ومعهم قطاعات واسعة من العرب، بهذه الاتفاقية وعدّوها تجربةً رائدة أسهمت في تعزيز الأخوة العربية – الكوردية والوحدة الوطنية العراقية، وكان انهيارها خسارةً كبيرة للدولة العراقية.
ومن بين المواد الخمس عشرة التي تضمنها البيان، نذكر على سبيل المثال:
المادة الثامنة: إعادة سكان القرى العربية والكوردية إلى أماكنهم السابقة، وتعويض المتضررين وفق القانون.
المادة العاشرة: تعديل الدستور العراقي المؤقت بما يقرّ بأن العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين، العربية والكوردية، ويضمن حقوق الشعب الكوردي وسائر الأقليات، مع اعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق الكوردية.
إن هذه النصوص تؤكد بوضوح حسن النية الكوردية تجاه تعزيز الأخوّة العربية – الكوردية وترسيخ الوحدة الوطنية، وهي مواقف ضاربة في عمق التاريخ. واليوم، يسير الزعيم الكوردي الرئيس مسعود بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، على نهج والده وقائده الخالد مصطفى البارزاني، مؤكداً في خطاباته ومواقفه ثبات الرؤية الكوردية في دعم وحدة العراق على أسس ديمقراطية وفيدرالية عادلة.
ومن خلال قراءة متأنية لخطابات الرئيس مسعود بارزاني، ولا سيما خطابه في الملتقى الثقافي العربي – الكوردي الذي عُقد في أربيل عام 2004، يمكن تلمّس هذا النهج الواضح في وقت كانت فيه الدولة العراقية تمرّ بأصعب مراحلها. وقد أكدت تلك الخطابات، وما تلاها، ثبات الموقف الكوردي في دعم وحدة العراق، والدفاع عن سيادته، وتعزيز التعايش بين مكوناته.
وقد شدد الرئيس بارزاني في أكثر من مناسبة على أن عدم استقرار العراق يعود إلى عدم إيجاد حل عادل للقضية الكوردية، مؤكداً أن الكورد لا يطالبون إلا بحقوقهم المشروعة، وأنهم يؤمنون بالوحدة الوطنية، لكنهم يرفضون أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية.
كما أكد أن كركوك مدينة للتآخي، عراقية بهوية كوردستانية، تعكس تنوع العراق القومي والديني، وينبغي أن تكون نموذجاً للتعايش المشترك والإدارة المشتركة.
وفي ختام هذا المقال، ورداً على الأصوات المشككة والمغرضة التي تحاول النيل من الأخوّة العربية – الكوردية، نستذكر قول الرئيس مسعود بارزاني في حديثه لإحدى القنوات الفضائية عام 2004:
((إن الشعب العراقي شعب عظيم وعريق، وما نمرّ به اليوم ليس إلا سحابة صيف ستزول بعزم العراقيين جميعاً. إن مستقبل العراق أمانة في أعناق المخلصين من أبنائه، وعلينا أن نتكاتف لبناء عراق فدرالي، ديمقراطي، موحد، يكون نموذجاً وقدوة لشعوب المنطقة والعالم)).