مستورة أردلاني.. رائدة التأريخ الكوردي وصوت المرأة العارفـة في القرن التاسع عشر

د. فاضل علي

عند قراءة تاريخ الشعوب، كثيراً ما نكتشف أن الصفحات الأهم لم تُكتب دائماً بأقلام السلاطين أو القادة، بل بأيدي مثقفين ومثقفات امتلكوا شجاعة الوعي، وجرأة الخروج على السائد. وفي التاريخ الكوردي، تبرز شخصية، مستورة أردلاني، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات النسوية استثنائية، ليس فقط لأنها شاعرة وأديبة، بل لأنها أول امرأة كورديّة خاضت مجال التأريخ ودوّنت أحداثه بوعي علمي وفكري سبق عصره.

وُلدت ماه شرف خانم، المعروفة أدبياً باسم مستورة أردلاني، عام 1804م (وتشير بعض المصادر إلى 1805م)، في مدينة سنه (سنندج) بشرق كوردستان، في زمن كانت فيه إمارة أردلان واحدة من الكيانات السياسية والثقافية المهمة في المنطقة. نشأت في أسرة مثقفة تنتمي إلى الطريقة القادرية، وكان والدها أبو الحسن بيك قادري عالماً أدرك مبكراً تميّز ابنته، فقرر أن يمنحها تعليماً لا يقل عمقاً عمّا كان يُمنح للذكور في ذلك الزمن.

تلقت مستورة تعليمها في اللغات الكوردية والفارسية والعربية، واطلعت على علوم الفقه الإسلامي والتفسير والأدب والتاريخ، ما أسّس لشخصية فكرية ناضجة في سن مبكرة. ولم يكن هذا المسار مألوفاً لامرأة في القرن التاسع عشر، إذ كانت الأعراف الاجتماعية تُقصي النساء عن مجالات التعليم والكتابة، غير أن مستورة اختارت أن تكسر هذه القيود بوعي هادئ، مستندة إلى المعرفة لا إلى الصدام.

اختارت ماه شرف خانم لنفسها اسم «مستورة» ووقّعت به أشعارها وكتاباتها، وهو اسم يحمل دلالات الحكمة والعمق والغموض. وقد اشتهرت بذكائها اللافت، وقوة شخصيتها، وجمال خطّها، إضافة إلى أسلوبها الأدبي المتين الذي جمع بين البلاغة والصدق العاطفي. ولم تكن مستورة شاعرة فحسب، بل مفكّرة قارئة للواقع، قادرة على تحويل التجربة الشخصية إلى نص أدبي وتاريخي ذي قيمة عامة.

ارتبطت حياتها بزواجها من خسرو خان أردلان، أمير إمارة أردلان، وكان شاعراً ومحباً للأدب، فتحوّل بلاطه إلى مركز ثقافي يجتمع فيه الشعراء والعلماء والمفكرون. وفي هذا الوسط الفكري، لم تكن مستورة شخصية هامشية، بل كانت حاضرة بقوة، تناقش وتكتب وتُبدي رأياً، حتى غدت واحدة من أبرز الأسماء في تلك المجالس، في وقتٍ ندر فيه الاعتراف بدور المرأة في المجال العام.

غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً؛ فبوفاة خسرو خان عام 1834م عن عمر 29 عاماً، دخلت حياة مستورة منعطفاً حاداً. تزامنت هذه الخسارة الشخصية مع سقوط إمارة أردلان بيد القاجار، ما أدى إلى تفكك البنية السياسية التي كانت تنتمي إليها، واضطرار مستورة إلى مغادرة مدينتها سنه، متجهة إلى السليمانية، حيث عاشت تجربة الاغتراب والفقد، بكل ما تحمله من ألم وتأمل.

لكن اللافت في سيرة مستورة أنها لم تنكفئ أمام هذه التحولات، بل حوّلت المحنة إلى دافع للإنتاج الفكري. ففي هذه المرحلة، كتبت أهم أعمالها التاريخية، وعلى رأسها كتاب «تاريخ أردلان»، الذي يُعد وثيقة تاريخية نادرة، كتبت بأسلوب يجمع بين السرد التاريخي والتحليل الاجتماعي والسياسي. وبهذا العمل، رسّخت مستورة مكانتها بوصفها أول مؤرخة كوردية، بل واحدة من أوائل النساء اللواتي كتبن التاريخ في الشرق الأوسط.

إلى جانب التأريخ، خلّفت مستورة إرثاً شعرياً واسعاً بالكوردية والفارسية، عبّرت فيه عن مشاعر الحب والفقد والحنين، ولا سيما حنينها إلى مسقط رأسها سنه، كما تناولت في قصائدها شكوى الزمن وتقلباته. وتشير بعض المصادر إلى أن عدد أبياتها الشعرية تجاوز عشرين ألف بيت، كُتب جزء منها باللهجة الكرمانجية، وإن لم يصلنا هذا التراث كاملاً حتى اليوم.

كما ألّفت مستورة كتباً دينية وفكرية، من بينها «عقيدة الإسلام ورسالة العبادة» وكتاب في الشريعة الإسلامية، ما يعكس عمقها المعرفي وتعدد اهتماماتها العلمية، إذ يُذكر أنها أتقنت ما يقارب اثني عشر علماً، وهو إنجاز نادر في زمانها، سواء للرجال أو النساء.

لم تحظَ أعمال مستورة بالانتشار الواسع إلا بعد عقود من وفاتها؛ إذ نُشرت مجموعة من قصائدها عام 1926م، فيما طُبع كتاب «تاريخ أردلان» عام 1946م، ثم تُرجم لاحقاً إلى اللغة الروسية ونُشر في موسكو عام 1990م، الأمر الذي أتاح للباحثين خارج الإطار الكوردي الاطلاع على تجربتها الفكرية.

توفيت مستورة أردلاني عام 1848م في مدينة السليمانية بعد معاناة مع المرض، ودُفنت في مقبرة تلة سيوان. وبرحيلها، لم يختف أثرها، بل بقي حاضراً في الذاكرة الثقافية الكوردية بوصفها رمزاً للمرأة العارفة، وصوتاً مبكراً طالب بحق المعرفة ودوّن التاريخ بجرأة وصدق.

إن استعادة سيرة مستورة أردلاني اليوم ليست مجرد وقوف عند شخصية تاريخية، بل هي إعادة قراءة لدور المرأة في صناعة الوعي الثقافي والتاريخي، وتأكيد على أن المعرفة كانت، ولا تزال، أحد أهم أدوات التحرر الإنساني وبناء الحضارات.

قد يعجبك ايضا