الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
تأمّل الصورة بدهشة بدت ملامحها واضحة على محيّاه، ولم يكد يرفع بصره عنها حتى سأل عن صاحبها، وهو في شكٍّ من أمره، مشيراً إلى الصورة التي تزيّن أحد جدران الغرفة. فالتفت مضيفنا المناضل الكبير قائد قوات ئاواره البيشمرگه علاء الدين الداوودي في أربيل عاصمة إقليم كوردستان نحوها، وابتسم بهدوء وهو ينظر إليّ تارةً، وأخرى إلى ضيفنا، وهو أحد إخوتنا العرب الذي رافقني من محافظة ديالى في إحدى سفراتي إلى كوردستان، حيث استقبلنا مضيفنا في كركوك، مدينة المحبة والتآخي والتعايش السلمي.
بكلمات بسيطة أجاب مضيفنا، والابتسامة لم تفارق شفتيه:
إنه زعيمنا الخالد مصطفى البارزاني.
ثم نهض نحو الصورة المعلّقة، ونزعها من مكانها، وقدمها للضيف الذي تلقّفها بدهشة أكبر، وتمعن فيها أكثر. وتابع مضيفنا حديثه، وأنا أتابع ما يدور بإمعان ودقة:
هذا هو رمز الكورد وقائد نضالهم نحو الحرية والتحرر، إنه البارزاني مصطفى، الذي ما زلنا ننهل من سيرة نضاله، لنسير على خطاه، متمسكين بالمبادئ التي زرعها فينا، لنصل إلى ما وصلنا إليه الآن في إقليم كوردستان العراق.
وهنا سألتُ مضيفي، تاركاً ضيفنا في حيرته أمام الصورة، عن مصدرها ومن أين حصل عليها؟ فأجابني على الفور بأنها من التراث الذي يعتز به، وهي أغلى ما يملك من أثر للبارزاني الخالد. وهذا القول ليس بغريب على مضيفنا، خصوصاً أنه أحد الأعضاء البارزين في الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وأحد قدامى مناضليه، حيث أفنى معظم حياته في خدمة قضية أبناء شعبه الكوردي منذ نعومة أظفاره، وتعرّض للاعتقال مرات عديدة بسبب انتمائه ومبادئه، ليذوق أشكال وأنواع العذاب والظلم على يد جلادي وجلاوزة الأنظمة المقبورة، شأنه في ذلك شأن الكثير من المخلصين من أبناء شعبنا الكوردي.
لكنه رغم ذلك بقي صامداً مخلصاً لمبادئه وقوميته، وليس بكثير أن نقول إنه أحد الجنود المجهولين الذين ضحّوا وما زالوا يضحّون في سبيل قضيتهم العادلة. فمضيفنا كان السيد علاء الدين الداوودي، أحد مسؤولي الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كركوك.
التفتُّ إلى ضيفنا وسألته عن سبب اندهاشه، فَللبارزاني الخالد آلاف الصور، وأعتقد أنك رأيت الكثير منها، فلم الاستغراب والتوقف عند هذه الصورة بالذات؟
فطالعني ضيفنا وأجاب بثقة عالية، وهو يشير إلى الصورة التي بين يديه:
قائد الشعب الكوردي، المناضل الذي هزّ عروش الطغاة في كل الأزمنة التي عاصرها، وحمل راية التحرر الكوردي دون كلل أو ملل، حيّر ملوكاً وقادة ورؤساء. لم تُثنه الشدائد، ولم تهزّه المحن، ولم تغره السلطة وبريقها الخادع والجاه المترف بالكذب. بقي بين صفوف شعبه جندياً وهو قائدهم، زعيماً وهو أشدهم خُلُقاً وخوفاً على الفقراء من شعبه. فلا عجب أن يعيش في أوساطهم وبين ظهرانيهم كواحد منهم، يقاتل كما يقاتلون، ويأكل مما يأكلون، ويجوع كما يجوعون.
وهنا رمقه مضيفنا بنظرة مفعمة بالحياة والأمل قائلاً:
إنه البارزاني فحسب… ليس قائداً وزعيماً للشعب الكوردي في نضالاته فقط، بل هو أبٌ روحي ورمز أنار للكورد الطريق نحو الحرية، الطرق التي سلكناها فوجدناها السبيل الأمثل لنيل حقوقنا المشروعة، فكان ما نحصدُه الآن ثمار ما زرعه.
طالعتُ الصورة جيداً لأقف على سبب اندهاش صاحبي الضيف، فكان حقاً له أن يندهش؛ إذ يظهر في الصورة القائد الخالد مصطفى البارزاني مفترشاً الأرض في إحدى جبال كوردستان الشامخة، وبيده (موسى) حلاقة يبريها ليحلق بها ذقنه، وإلى يمينه (باكورته) التي يتكأ عليها، وأمامه حقيبة وضع عليها أدوات الحلاقة من صابون ومرآة، وبجانب الحقيبة فراش نومه الملفوف بعناية.
ويبدو في الصورة منهمكاً في بري الموسى، تعلو جبينه علامات الرضا وإصرار القائد على المضي في طريق النضال حتى النهاية، وهو في كامل عدته العسكرية متأهباً للقتال في أية لحظة. فكم يا ترى من الزعماء في هذا العالم يسلك سلوك البارزاني الخالد، ويعيش بكفاف وبساطة كما عاش شعبه؟ وكم منهم تشرد لأجل قضية وفكر يحمله لنصرة شعبه، بل وقاتل من أجل قضية شعبه حتى الرمق الأخير من حياته؟
لقد لبّى البارزاني الخالد نداء شعبه منذ نعومة أظفاره، وشرب من ماء كوردستان، وأكل من ثمارها، ليكبر مع قضية الشعب الكوردي حتى أوصلها إلى ما وصلت إليه الآن، لتصبح كوردستان شامخة بشموخ جبالها، عصيّة على الطغاة في كل زمان ومكان، وجذوةً مستعرة لكل من يدنو من عرينها.
إن من رأى قائد هذا الشعب ببساطته وتضحياته، يتأكد لديه بأن الشعلة التي أوقد نارها لا يمكن أن تخمد أو يخفت بريقها مهما طال عليها الزمن أو جار، فهي في تجدّد دائم، ودماء جديدة تنبض بها عروق كوردستان. وأبداً فإن الكورد، كشعب حيّ ومتطور وناضج، لن ينسوا، بل لا يمكن أن ينسوا قائدهم، الرجل الكبير بمبادئه وتضحياته وفكره النيّر.
فكلما تفتحت زهرة في سهول وجبال كوردستان، يتذكر الكورد عبر عبقها قائدهم الفذ، وكلما ضحك أو لعب طفل كوردي بسعادة، يستذكرون ذلك القائد العظيم الذي أوصل الكرامة والحرية إلى دار كل منهم، بل إلى كل عائلة في كوردستان.
لقد علّمهم معاني الإنسانية والكرامة والإباء، وعلّمهم كيف يكون القائد بشجاعته وأصالته ونكران ذاته لأجلهم. فهم قضيته وأبناؤه، فنذر حياته لعزتهم ورفعتهم وشموخهم، ولم يقتصر على ذلك، بل نذر أبناءه أيضاً من أجل قضية شعبه العادلة، ليقدّم منهم قرابين لكوردستان:
﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً﴾.
وللتاريخ شواهد وشهود ووقائع وأحداث لا تكفي أسطر قليلة كهذه لسردها، فهو كما قال مضيفنا، وكما يلهج به كل كوردي شريف:
إنه البارزاني الخالد فحسب.
وحتى بعد أن غادرنا إلى لقاء وجه ربٍّ كريم، راضياً مرضياً، ترك فينا مبادئ قويمة، وأبناءً بررة ورثوها بحذافيرها، ليقودوا شعبنا الكوردي إلى برّ الأمان في مسيرته نحو استرداد جميع حقوقه المشروعة.
فلنحاول تقليب صفحات التاريخ الحديث، ونبحث في بطون الكتب علّنا نجد من يشبهه في دماثة خلقه وبساطته وتعلقه بحقوق شعبه، ولنبحث بين سير القادة السابقين واللاحقين، فمن يكون مثله ليستحق عن جدارة لقب الأب الروحي والقومي لشعبه، كما استحقه البارزاني الخالد عن جدارة.
فحقاً إن البارزاني مصطفى قائد ورمز في كل العصور، ولا يتطلب منا هذا سوى أن نكون أوفياء للمبادئ التي حملها ولم يساوم عليها أبداً. فقد كانت سعادته من سعادة شعبه، وغناه ينبع من ضحكة كل طفل من أطفال كوردستان. ونقولها بتواضع إن شعبنا الكوردي سيبقى يتذكر، على مرّ الأجيال والعصور، قائده الكبير بفخر وإجلال.
وأنصح كل من يهمه مصلحة شعبه أن يضع هذه الصورة أمام ناظريه ليتذكر آلام شعبه، فللقيادة طريق لا يستطيع أن يسير فيه كل من ادعى الزعامة، إذ إن لها رجالها وملامحها الخاصة للوصول إلى قلب كل فرد من أبناء الشعب دون تمييز بين هذا وذاك. فهنيئاً لمن حصل على ثقة وحب شعبه، فهما الخلود الحقيقي والدائم، والحب الأبدي.
فلا عجب إذ تعجّب صاحبي الضيف من الصورة ومحتواها، فإنه حقاً البارزاني الخالد فحسب .