إرفينغ فينكل وبلاد ما بين النهرين

نوري جاسم ..

ليست الحضارات العظيمة مجرد أطلالٍ من طينٍ وحجر، بل هي ذاكرةٌ حيّة تسكن اللغة والأسطورة والفكرة. وبلاد ما بين النهرين – أرض العراق – ليست فقط مهد الزراعة والمدينة، بل مهد السؤال الإنساني الأول: من نحن؟ ولماذا نكتب؟ وكيف نُخلِّد المعنى في وجه الفناء؟ وفي هذا الأفق الواسع، يبرز اسم إرفينغ فينكل بوصفه أكثر من عالم آشوريات، بل حارسًا للذاكرة السومرية –البابلية، ووسيطًا نادرًا بين عالمٍ ميتٍ ظاهريًا، وعالمنا الحديث الذي لا يزال يتغذّى سرًا من حكمته. وهوالعالِم الذي يصغي للطين، وُلد إرفينغ فينكل عام 1951، وكرّس حياته للكتابة المسمارية، تلك العلامات الصغيرة التي حُفرت على ألواح طينية قبل آلاف السنين، لكنها ما زالت تنبض بالحياة. فينكل، أمين الألواح المسمارية في المتحف البريطاني لسنوات طويلة، لا يتعامل مع النصوص بوصفها وثائق جامدة، بل بوصفها أصوات بشرٍ قدامى، كتبوا خوفهم، وأحلامهم، وطقوسهم، وحتى ألعابهم.

هو نفسه يصف الكتابة المسمارية بأنها «جسرٌ سحري إلى عالمٍ ميت يسكنه أصدقاء من البشر»، وفي هذا الوصف تكمن فلسفته العلمية والإنسانية معًا، من الطوفان إلى سفينة المعرفة، حيث بلغ صيت فينكل ذروته عالميًا عندما فكّ رموز لوح بابلي نادر يعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام، يصف قصة الطوفان، ولكن بسفينةٍ مستديرة من القصب والقار، لا تشبه سفينة نوح التوراتية المستطيلة. وبهذا الاكتشاف، لم يهدم فينكل سردية دينية، بل أعادها إلى جذرها الرافديني، مؤكدًا أن أسطورة الطوفان ليست واحدة، بل ثلاث روايات ميزوبوتامية سبقت التوراة بأكثر من ألف عام. وفي كتابه الشهير «السفينة قبل نوح» (2014)، قدّم فينكل قراءة جريئة وموثقة علميًا، أظهرت كيف انتقلت الأسطورة من بلاد بابل إلى النص التوراتي، بعد أن أُعيد تشكيلها لتناسب بيئة مختلفة وثقافة أخرى. هنا لا يعمل فينكل كمؤرخ فقط، بل كـ فيلسوف للتاريخ، يكشف كيف تتنقل الأفكار بين الحضارات، وكيف يُعاد تدوير المعنى عبر الزمن، ومن أكثر أفكاره إثارة للجدل، اعتقاده أن قطعة حجرية من موقع غوبكلي تبه في تركيا – تعود إلى نحو 11,600 عام – قد تمثل أقدم شكل رمزي للكتابة. وهذه الصفيحة، التي تُظهر ثعبانًا ورأسًا بشريًا مجردًا وطائرًا، يراها فينكل أشبه بـ ختمٍ نيوليتي، ربما استُخدم لتوثيق اتفاق أو عقد، أي أن الحاجة إلى التنظيم الاجتماعي سبقت الكتابة المسمارية نفسها بآلاف السنين. وإنها فكرة تهزّ التسلسل الكلاسيكي لتاريخ الكتابة، وتعيد السؤال الجوهري: هل وُلدت الكتابة من الحاجة إلى العدّ فقط، أم من الرغبة في تثبيت السلطة والاتفاق والمعنى؟ ان بلاد ما بين النهرين: الحضارة التي لم تنتهِ في رؤية فينكل، لم تكن بلاد ما بين النهرين مجرد حضارة قديمة، بل مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا. زهنا كُتبت أول القوانين، ونُظمت أول المدن، ووُضعت أسس الطب والفلك، وهنا أيضًا كُتبت أولى الأساطير عن الخلق والموت والخلود، من جلجامش إلى أتراحاسيس. والعراق، في هذا المعنى، ليس ماضيًا، بل ذاكرة العالم. وكل لوح طيني يُقرأ اليوم، هو فعل مقاومة ضد النسيان. وهو أيقونة فريدة، وهذا جعل إرفينغ فينكل أيقونة زمانه، ليس علمه الغزير فحسب، بل تواضعه الإنساني، وشغفه الذي لم تخمده الأكاديمية، ولا جدران المتاحف. وهو عالم يمشي لاستقبال ضيوفه، ويضحك وهو يشرح الطوفان، ويؤمن أن ألعاب الطاولة البابلية لا تقل أهمية عن اختراع العجلة، لأنها تكشف عقل الإنسان وهو يلعب، لا وهو يحارب. وفي زمن السرعة والنسيان، يقف فينكل شاهدًا على أن الطين يتكلم، وأن العراق لم يكن هامشًا في التاريخ، بل متنه العميق، أن إرفينغ فينكل ليس عالم آثار فقط، بل مترجم روح وحضارة بلاد ما بين النهرين، التي وُلدت بين دجلة والفرات، والتي ما زالت تكتب رسائلها إلينا، تنتظر من يقرأها بصدق. وما دام هناك من يصغي إلى الطين… فلن تموت الذاكرة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا