محركات الهيمنة الأوروبية وإعادة انتاج المأساة الكوردية

أ.د خليل مصطفى عثمان

ينطلق المؤرخ الألماني يوهانس باولمان في كتابه «الهيمنة العالمية والإيمان بالتفوق: أوروبا من 1850م – 1914م» من أطروحة مركزية مفادها أن صعود أوروبا إلى موقع الهيمنة العالمية لم يكن نتيجة قوة مادية فقط، بل ثمرة تفاعل معقّد بين التفوق الصناعي، والعولمة المبكرة، وبناء خطاب أيديولوجي قائم على الإيمان بالتفوق الحضاري. ويؤكد باولمان، في أكثر من موضع، أن آثار هذه الهيمنة لم تتوقف عند حدود الاستعمار المباشر، بل امتدّت إلى مناطق وشعوب لم تُحتل رسميًا، لكنها أُدرجت قسرًا في نظام دولي صُمّم في العواصم الأوروبية. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة القضية الكوردية بوصفها إحدى النتائج البنيوية لهذا النظام.

يشدّد باولمان على أن الثورة الصناعية الثانية منحت أوروبا قدرة غير مسبوقة على التحكم بالمساحات الجغرافية البعيدة، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر السيطرة على الزمن والحركة والاتصال و الاقتصاد. ويلاحظ أن هذا التفوق مكّن القوى الأوروبية من التعامل مع الإمبراطوريات التقليدية – وعلى رأسها الدولة العثمانية – بوصفها كيانات قابلة لإعادة التنظيم والتقسيم.

ضمن هذا التحليل، يمكن فهم موقع كوردستان بوصفها منطقة أُعيد تعريفها سياسيًا دون أن تُستشار اجتماعيًا أو تاريخيًا. فكما يبيّن باولمان، كانت الخرائط الجديدة تُرسم وفق منطق المصلحة الاستراتيجية، لا وفق الواقع الإثني أو الثقافي. وقد تُوِّج هذا المنهج باتفاقيات مثل سايكس–بيكو(١٩١٦)، التي جسّدت عمليًا ما يسميه باولمان “الهيمنة عبر التنظيم الإداري للعالم”.

من جانب اخر يفرد باولمان حيّزًا مهمًا لتحليل ما يسميه العولمة المبكرة الأوروبية، حيث جرى دمج مناطق واسعة من العالم في شبكة اقتصادية ومالية مركزها أوروبا. ويؤكد أن هذه العولمة لم تكن عملية متكافئة، بل قامت على تهميش الفاعلين المحليين، وتحويلهم إلى موضوعات للسياسة لا شركاء فيها.

في هذا السياق، يقدّم باولمان إطارًا تفسيريًا مهمًا لفهم تغييب الكورد عن مؤتمرات التسوية الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى. فعلى الرغم من إدراج المسألة الكوردية في معاهدة سيفر(1920)، فإن ما يسميه باولمان “براغماتية القوى العظمى” أدّى إلى التضحية بحقوق الكورد في معاهدة لوزان(1923) لصالح استقرار النظام الدولي الناشئ. وهكذا، تحوّل مبدأ تقرير المصير – الذي يناقشه باولمان بوصفه أحد تناقضات العصر – إلى أداة انتقائية لا قاعدة قانونية ثابتة.

من أهم الإسهامات النظرية لباولمان تأكيده أن العلم والمعرفة كانا جزءًا من بنية الهيمنة، لا مجالًا محايدًا خارجها. فقد استخدمت الأنثروبولوجيا والجغرافيا والإحصاء في تصنيف الشعوب وترتيبها ضمن هرم حضاري يخدم المشروع الإمبريالي.

ويُسهم هذا التحليل في تفسير الطريقة التي جرى بها تمثيل الكورد في الأدبيات الأوروبية خلال تلك المرحلة. فكما ينسجم مع منطق باولمان، لم يُنظر إلى الكورد كأمة تاريخية، بل كجماعات “قبل-دولتية”، وهو توصيف أضفى شرعية “علمية” على استبعادهم من مشاريع الدولة القومية، وسهّل تجاهل مطالبهم السياسية في النظام الدولي الوليد.
كما يؤكد باولمان أن الهيمنة الأوروبية لم تنتهِ بانتهاء الإمبراطوريات، بل أُعيد إنتاجها داخل الدول القومية الجديدة التي تبنّت النموذج الأوروبي المركزي ذاته. وقد ورثت هذه الدول خطاب التحديث القسري، وإنكار التعددية، واعتبار التنوع تهديدًا لوحدة الدولة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة السياسات المتّبعة بحق الكورد في دول المنطقة بوصفها استمرارًا لما يسميه باولمان الآثار طويلة الأمد للهيمنة، حيث تتحوّل مفاهيم التفوق والتنميط إلى أدوات داخلية للسيطرة.
يوفّر كتاب «الهيمنة العالمية والإيمان بالتفوق» إطارًا نظريًا بالغ الأهمية لفهم القضية الكوردية خارج القراءات الاختزالية. فالمسألة الكوردية، في ضوء أطروحات باولمان، ليست أزمة محلية أو تاريخًا من الإخفاقات الذاتية، بل نتيجة مباشرة لنظام عالمي تشكّل على أساس الإيمان بالتفوق، وإعادة هندسة العالم دون اعتبار للهويات التاريخية.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة الكتاب من منظور كوردي لا تُغني فقط فهمنا لتاريخ أوروبا، بل تساعد أيضًا على تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي ما تزال تتحكم بمصائر الشعوب المهمّشة حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا