إعداد ـ التآخي
التحول الكبير من العصور الوسطى الى العصر الحديث في أوروبا، هو واحد من أكثر القصص إثارة في التاريخ البشري؛ فهو لم يكن مجرد تغيير في “التاريخ”، بل كان إعادة صياغة كاملة للعقل البشري ولطريقة فهمنا للعالم.
لم ينتقل الأوروبيون فجأة، بل كانت هناك “صدمات” حركت المياه الراكدة منها سقوط القسطنطينية (1453)، اذ أدى سقوطها في يد العثمانيين إلى هرب العلماء البيزنطيين إلى إيطاليا، حاملين معهم المخطوطات اليونانية واللاتينية القديمة التي فُقدت في الغرب لقرون.
ان الحروب الصليبية برغم طابعها العسكري، إلا أنها فتحت قنوات اتصال مع الحضارة الإسلامية المتقدمة حينها، مما نقل للأوروبيين علوم الفلك، والطب، والرياضيات.
العامل الاخر هو الأوبئة (الموت الأسود) فقد أدى الطاعون لوفاة ثلث سكان أوروبا؛ هذا النقص الحاد في الأيدي العاملة أضعف نظام “الإقطاع”، فارتفعت قيمة الفرد وبدأت الطبقة الوسطى بالظهور.
وهناك اختراعات وتحولات فكرية عملت كـ “وقود” لهذا الانتقال، اختراع الطابعة للألماني (يوهان غوتنبرج)، قبلها كان الكتاب يُنسخ يدويا ويملكه الأثرياء فقط. بعدها، انتشرت الأفكار بسرعة البرق، وأصبح من المستحيل قمع العلم أو الفكر الجديد.
وتنامت حركة النزعة الإنسانية (Humanism)،بتحول التركيز من “ما وراء الطبيعة” والزهد الكلي إلى “الإنسان” وقدراته، وجمال الفن، وعظمة العقل البشري، و الاستكشافات الجغرافية: اكتشاف طرق بحرية جديدة (مثل طريق رأس الرجاء الصالح والأمريكتين) نقل مركز القوة الاقتصادية من حوض المتوسط إلى المحيط الأطلسي.
النتائج الفورية للتحول على المدى القريبتمثلت في النهضة الفنية والعلمية بظهور عباقرة مثل “ليوناردو دا فينشي” و”ميكيل أنجلو” الذين مزجوا الفن بالتشريح والهندسة؛ وبحركة الإصلاح الديني بدأت التساؤلات بشأن سلطة الكنيسة المطلقة، مما أدى لظهور البروتستانتية وانقسام الخارطة الدينية لأوروبا، كما تفكك الإقطاع وظهرت “الدول القومية” المركزية بجيوش نظامية بدلا من الفرسان التابعين للنبلاء.
اما النتائج العميقة على المدى الطويل فهي التي شكلت عالمنا الذي نعيش فيه اليوم، أي المجال للأثر بعيد المدى العلمي بظهور الثورة العلمية (نيوتن، غاليلو) وتغليب المنهج التجريبي على الخرافة، و السياسي بولادة مفاهيم الديمقراطية، العقد الاجتماعي، وحقوق الإنسان (الثورة الفرنسية لاحقا)، و الاقتصادي بالتحول من الزراعة إلى الرأسمالية ثم الثورة الصناعية التي غيرت وجه الكوكب.
واخذ يتكرس الجانب الفلسفي بسيادة “العلمانية” وفصل الدين عن مؤسسات الدولة في أغلب أوروبا.
هاتان النقطتان هما “المحرك المالي” و”المحرك الفكري” اللذان أطلقا شرارة النهضة؛ فأثر المطبعة (ثورة المعلومات الأولى)؛ فقبل اختراع يوهان غوتنبرج للمطبعة عام 1440 تقريبا، كان العالم مكانا صامتا ومعزولا فكريا. و غيرت المطبعة كل شيء بديمقراطية المعرفة: تحول الكتاب من “سلعة ترفيهية” يملكها الملوك والرهبان فقط إلى منتج متاح للطبقة الوسطى، وانخفض سعر الكتاب بنسبة 90% تقريبا.
و قبل المطبعة، كانت اللغات المحلية (الإيطالية، الفرنسية، الألمانية) عبارة عن لهجات متفرقة. الطباعة أجبرت الناس على اعتماد معايير موحدة للكتابة، مما ساعد في بناء “الهوية القومية”.
و لم تعد الكنيسة أو السلطة قادرة على “حرق الأفكار”، إذا طُبع 1000 نسخة من كتاب “ممنوع”، فمن المستحيل مصادرتها جميعا، هذا ما سمح لأفكار مثل كروية الأرض أو انتقاد الفساد الديني بالانتشار كالنار في الهشيم.
في النسخ اليدوي، كان الناسخ يخطئ في نقل الأرقام أو الرسومات التوضيحية. المطبعة سمحت للعلماء في أماكن مختلفة بدراسة البيانات والرسومات نفسها بدقة متناهية، مما أدى لظهور “المجتمع العلمي العالمي”.
ونشأت التجارة وتمويل الفنون (بنوك فلورنسا)و لم تكن النهضة لتحدث لولا وجود “كاش” (أموال فائضة) لتمويلها. إيطاليا، وتحديدا مدينة فلورنسا، كانت هي المركز لعدة أسباب: ظهور “المستنيرين” (رعاة الفن): عائلات ثرية جدا مثل عائلة ميديتشي (Medici) في فلورنسا، لم تعد تكتفي بجمع المال، بل أرادت “المكانة والخلود”. بدأوا بصرف ثروات طائلة لتوظيف فنانين مثل ميكيل أنجلو ودا فينشي.
وغدا الفن كأداة سياسية فكان التنافس بين المدن الإيطالية (فينيسيا، فلورنسا، ميلانو) ليس عسكريا فقط، بل جماليا. من لديه الكاتدرائية الأجمل؟ من لديه التماثيل الأكثر اتقانا؟ هذا التنافس خلق “سوق عمل” ضخما للفنانين والمخترعين.
وحدث الاستقلال عن الكنيسة و لأول مرة، لم يعد “الراعي” الوحيد للفن هو الكنيسة. التجار الأغنياء بدأوا يطلبون لوحات شخصية (Portraits) ومناظر طبيعية ومواضيع من الأساطير اليونانية، مما حرر الفن من القيود الدينية الصارمة.
وفي النظام المصرفي جرى ابتكار “الشيكات” و”الائتمان” في إيطاليا، سمح ذلك بتدفق الأموال عبر القارات، مما جعل إيطاليا أغنى بقعة في أوروبا، وهذه الثروة هي التي اشترت الوقت للفنانين ليتفرغوا للإبداع بدلا من العمل في الحقول.
ولولا تمويل عائلة “ميديتشي” ودعمهم، لربما قضى ليوناردو دا فينشي حياته مجرد مهندس عسكري مغمور، ولما رأينا “الموناليزا” أو “سقف كنيسة السيستين”.
إمكانيات النهضة في العالم العربي والشرق الأوسط
التاريخ يخبرنا أن “النهضة” ليست حكرا على عرق أو جغرافيا، بل هي “وصفة” متى ما توفرت عناصرها حدثت النتائج.
العالم العربي يمتلك اليوم ميزة لم تكن لدى أوروبا في عصر النهضة: نحن لا نحتاج لاختراع العجلة من جديد، بل نحتاج إلى “توطينها”. و العناصر التي يراها المفكرون والخبراء كركائز لتحقيق هذه النهضة المعاصرة تتمثل في الاستثمار في “رأس المال البشري” (التعليم النوعي)، ففي
النهضة الأوروبية، كان التعليم هو المفتاح. في عالمنا اليوم، لم يعد محو الأمية هو الهدف، بل، التحول من التلقين إلى التفكير النقدي، النهضة تبدأ عندما يتوقف الطالب عن سؤال “ماذا أحفظ؟” ويبدأ بسؤال “لماذا وكيف؟”.
وقد حدث التعليم التقني والذكاء الاصطناعي،فالتحول لدول منتجة يتطلب جيلا يتقن لغة العصر. دول مثل (الإمارات والسعودية وقطر) بدأت بالفعل ضخ استثمارات هائلة في هذا المجال، وهناك البيئة المحفزة للابتكار (المؤسسات والقوانين)، اذ ان المال وحده لا يصنع نهضة، بل “النظام” الذي يحمي الإبداع ويتوجب هنا حماية الملكية الفكرية و لكي يخترع الشاب العربي، يجب أن يضمن أن فكرته لن تُسرق.
ومن الضروري تنمية وتشجيع البحث العلميةفأوروبا خصصت ميزانيات ضخمة للجامعات والمختبرات؛ النهضة العربية بحاجة لربط مراكز الأبحاث بالمصانع والأسواق، و النهضة تزدهر في بيئة تسودها العدالة وتكافؤ الفرص، اذتنجح الفكرة الأفضل وليس الشخص الأكثر نفوذا.
ان التكامل الاقتصادي (السوق المشتركة) لم ينهض من الصفر و أوروبا لم تنهض كجزر منعزلة. قوتها اليوم في تكاملها. العالم العربيوعموم الشرق الأوسط لديه فائض مالي في دول، و أيدي عاملة شابة وعقول في دول أخرى، و موارد طبيعية ومواقع استراتيجية في دول ثالثة.
و لو جرى تفعيل سوق عربية او شرق أوسطية مشتركة حقيقية، سيتحول الإقليم إلى قوة اقتصادية لا يمكن تجاهلها؛ ويتوجب هنا التصالح مع الماضي والانفتاح على المستقبل، و كما استلهمت أوروبا من اليونان (القديم) وانفتحت على علوم العرب (الآخر)، فنحن بحاجة الى استعادة الثقة بالتاريخ العلمي ومن ذلك(عصر بيت الحكمة “ الفترة الذهبية للحضارة الإسلامية في العصر العباسي”)، وكذلك يجب الانفتاح الجريء على التجارب الناجحة في جنوب شرق آسيا ودول مثل الصين، سنغافورة، كوريا الجنوبية وعلى الغرب، من دون خوف من فقدان الهوية.
ولا يمكن إغفال أن الطريق ليس مفروشا بالورود، فهناك تحديات بنيوية، بخاصة النزاعات السياسية، اذ ان الاستقرار هو التربة التي تنمو فيها النهضة، وكذلك تتواجد البيروقراطية، التي تعطل الإبداع وسرعة الإنتاج، و هجرة العقول، اذ يجري استنزاف أفضل العقول من العالم العربيللخارج بسبب غياب البيئة الحاضنة.
و إذا نظرنا إلى “رؤية 2030” التي أعلنت السعودية عن المباشرة فيها، أو التحول الرقمي في الإمارات والمغرب، أو القوة الناعمة التعليمية في قطر ومصر، سنجد بذورا حقيقية لنهضة بدأت تتشكل بالفعل.
وتشترك عدة عوامل في إعاقة تقدم المجتمعات العربية بخاصة (إذ أصبحت متشرذمة)، فالجانب السياسي يتعلق بالإصرار على إقحام الدين في السياسة وإدارة الدولة، ما أدى إلى مشكلات كارثية؛ وفي الجانب الاقتصادي لم يجري تنشيط الصناعة المحلية على نطاق واسع وتعميم استكشاف مصادر دخل بديلة عن الثروات “النفط مثلا” ما أدى إلى الاعتماد على الاستيراد بالدرجة الأولى، فتخلف التصنيع و لم يتطور البناء الاقتصادي، وفيما يتعلق بالجانب الثقافي شكل القمع مانعا لتطوير الفكر والتفاعل الإنساني وتقوقعه على نفسه.
تتواجد حالة من “الارتباط الشرطي” بين العوائق، اذ يؤدي التعثر في جانب إلى شلل في الجوانب الأخرى. وذلك ما يسميه علماء الاجتماع “أزمة الحداثة المتعثرة”.
و المعضلة السياسية والدينية تتطلب فصل المسارات و عدم “إقحام الدين في السياسة”؛ وفي التجربة الأوروبية، لم يكن الحل هو “إلغاء الدين”، بل تحديد صلاحيات المؤسسة الدينية، كما ان النهضة تطلبت وجود “قانون مدني” يقف على مسافة واحدة من الجميع، و عندما تُدار الدولة بمنطق ديني إقصائي، يتحول الخلاف السياسي إلى “صراع عقدي” لا يقبل الحلول الوسط، مما يمزق النسيج الاجتماعي.
ان الاقتصاد الريعي مقابل الاقتصاد المنتج أدى الى الاعتماد على الاستيراد والنفط عطل التصنيع. هذا ما يُعرف بـ “المرض الهولندي”، اذتؤدي الثروة السهلة من الموارد الطبيعية إلى كسل ابتكاري. الفارق الجوهري: أوروبا انتقلت من “الإقطاع” (الاعتماد على الأرض) إلى “المانيفاكتورة” (التصنيع اليدوي) ثم الثورة الصناعية.
المطلوب عربياً، التحول من “دولة الجباية والريع” إلى “دولة الإنتاج”. التصنيع ليس مجرد بناء مصانع، بل هو ثقافة عمل وتراكم خبرات تقنية تعطي الدولة استقلالها الحقيقي، وادى القمع الى موت الخيال اذ كان “القمع” عائقا للتفاعل الإنساني و النهضة في جوهرها هي “حرية السؤال”؛ و عندما يُقمع الفكر، ينسحب المبدعون إلى داخل أنفسهم (التقوقع) أو يهاجرون (نزيف العقول).
وتنامى في أوروبا التفاعل الإنساني فهي نهضت لأنها سمحت بوجود “المقاهي الثقافية”، “الصالونات الأدبية”، و”الجامعات المستقلة”. القمع لا يقتل الفكرة المعارضة فحسب، بل يقتل “القدرة على الابتكار” حتى في العلم والتقنية.
كسر الحلقة المفرغة؟!
كيف نكسر هذه الحلقة المفرغة في منطقتنا؟ للانتقال من “التشرذم” إلى “المنافسة”، يقترح المفكرون نموذجاً ثلاثي الأبعاد، الإصلاح الهيكلي باستبدال الولاءات الضيقة (قبلية، طائفية) بـ “المواطنة” وسيادة القانون، و الثورة التعليمية بصياغة مناهج لا تخاف من النقد، وتركز على العلوم التطبيقية والتقنيات المتطورة، و التنمية المستقلة بتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة وبناء قاعدة صناعية محلية تقلل الارتهان للخارج.
وبالتأكيد أن التغيير يجب ان يبدأ “من الأعلى” (بقرار سياسي وجرأة من القادة) و “من الأسفل” (بتغيير وعي المجتمع وثقافته وتعليمه)؟ تاريخياً، حدثت النهضة الأوروبية بتفاعل الاتجاهين معاً.
للخروج من التخلف في العالم العربي، يجب تبني نهج شامل يركز على إصلاح التعليم ليصبح محفزاً للعقل لا التلقين، بناء أنظمة حكم رشيدة تعزز الديمقراطية والمشاركة، تحقيق التكامل الاقتصادي وتجاوز التبعية عبر التصنيع والابتكار، تطوير القاعدة العلمية والبحثية، والاستثمار في الإنسان، مع الجمع بين الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وروح الاعتماد على الذات، وتجاوز الصراعات الفكرية بين التراث والحداثة نحو رؤية تنموية موحدة ومستقلة.
المحاور الأساسية للنهوض تتمثل في التعليم والتطوير البشري بإصلاح جذري للتعليم والانتقال من التلقين إلى التفكير النقدي وتنمية المهارات، اما الامية فيتوجب القضاء عليها أو تخفيض نسبتها بشكل كبير، ومن الضروري الاستثمار في الكفاءات وذلك بتحفيز الخبرات العلمية والفنية العربية وتفعيل دورها.
وفي مجال الحوكمة والسياسة، يستدعي الامر بناء نظم رشيدة بتعزيز الديمقراطية والمشاركة المجتمعية، ومواجهة الاستبداد الداخلي الذي يقيد إرادة الشعوب والانتصار عليه، و ترسيخ الثقة بالنفس بالاعتماد على الطاقات الذاتية بدلاً من انتظار حلول خارجية.
وفي مجال الاقتصاد والتنمية يجب ترسيخ التصنيع والابتكار باستغلال الموارد المتاحة (مثل الريع النفطي) للتصنيع المحلي، و تعزيز الوحدة الاقتصادية بين دول المنطقة، و الاستدامة والاكتفاء الذاتي ببناء اقتصاد مستقل لا يعتمد على التبعية الخارجية.
وفي مجال الفكر والثقافة، يجب تجاوز الجدل الفكري أو استحضار سلبيات الماضي، والتوفيق بين التراث والحداثة بدلاً من الصراع بينهما، و بناء رؤية موحدة بالعمل على مشروع حضاري مشترك يهدف للتنمية المستدامة.
ومن الضروري بمكان الالتجاء الى العلوم والتكنولوجيا، ببناء قاعدة علمية و تطوير البحث العلمي وتطبيقاته، و دمج التقنيات الحديثة مع الحفاظ على الهوية الثقافية.
باختصار، الحل يكمن في إرادة سياسية حقيقية للتحرر من التبعية الداخلية والخارجية، والتركيز على الإنسان كمحور للتنمية الشاملة، عن طريق التعليم، والابتكار، وبناء مؤسسات قوية، واعتماد أنموذج تنموي خاص بالمنطقة يجمع بين الأصالة والمعاصرة.