د.محمد صديق خوشناو
اليوم عدتُ براً من أربيل إلى بغداد، وتحت أمطارٍ متواصلة رافقتني على امتداد الطريق. كان المشهد مبهجًا في ظاهره؛ السماء تمنح هذا البلد ما حُرم منه طويلًا، وأرضه تتلقى الغيث بفرحٍ صامت، وكأنها تستعيد أنفاسها بعد سنوات من القحط.
لكن ما إن دخلت شوارع بغداد، حتى تبدلت الصورة تمامًا. المياه لم تكن في خزانات، بل في الطرقات. لم تكن في مشاريع حصاد مائي، بل في المستنقعات المؤقتة التي شلّت الحياة اليومية للناس. شعرت بغصّة حقيقية: كيف يمكن لنعمة تكفي أمة أن تتحول بهذا الشكل إلى عبء على وطن؟
المشكلة ليست في المطر، بل في من لم يستعد له. ليست في كثافة الغيث، بل في غياب الدولة عن دورها الطبيعي في التخطيط والاستثمار. العراق لا يعاني من قلة المياه فقط، بل من قلة الرؤية، وندرة القرار، وغياب الإرادة في بناء بنية تحتية تحفظ ثرواته الطبيعية.
في إقليم كوردستان، ورغم قلة الإمكانيات قياسًا بالمركز، توجد برك مائية وسدود ترابية ومشاريع حصاد أمطار تحاول على الأقل استثمار النعمة بدل تركها تهدر. أما في المركز، فما زالت المياه تُدار بعقلية الطوارئ لا بعقلية الدولة، وبمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق.
من أربيل إلى بغداد، رأيتُ بأم عيني الفرق بين من يُخطط ليستفيد، ومن يترك الأمور للصدفة. هناك من يفهم أن الماء أمن قومي، وهنا من يتعامل معه كمشكلة موسمية.
ستتوقف الأمطار بعد أيام، وستعود أزمة المياه بعد أشهر، وسيبقى السؤال معلقًا: لماذا نُهدر ما يكفي لإنقاذ وطن كامل؟