التراث وإشكالياته الكبرى.. قراءة في التراث الشعبي الكوردي نموذجًا

أ.د. خليل مصطفى عثمان

يشكّل التراث، في جوهره، الذاكرة الحيّة للأمم، والخزان الرمزي الذي تختزن فيه الشعوب خبراتها التاريخية، وأنماط عيشها، وأنساق قيمها، ورؤاها للعالم. غير أنّ التراث، حين يُستدعى خارج سياقه التاريخي أو يُحوَّل إلى كيان مقدّس مغلق، يتحوّل من مصدر للإلهام إلى عائق أمام الوعي والتجديد. من هنا تتجلّى الإشكالية الكبرى في علاقتنا بالتراث: هل نتعامل معه بوصفه رصيدًا حضاريًا مفتوحًا على النقد والتطوير، أم نحيله إلى ماضٍ جامد نلوذ به هربًا من أسئلة الحاضر وأزمات المستقبل؟

يعاني المجتمع الكوردستاني من أزمة حضارية مركّبة، يتجلّى في اختلال العلاقة بين الماضي والحاضر. فبدل أن يكون التراث منطلقًا لفهم الذات التاريخية وبناء مشروع نهضوي، غالبًا ما يُستثمر بوصفه خطابًا تبريريًا أو أداة أيديولوجية تُستخدم لتكريس الانغلاق ورفض التغيير. هذه الإشكالية لا تقتصر على التراث المكتوب، بل تمتد إلى التراث الشعبي، الذي يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مجرّد فولكلور للزينة أو الحنين، وأحيانًا أخرى بوصفه حقيقة ثابتة لا تقبل المراجعة.

إنّ الوعي النقدي بالتراث لا يعني القطيعة معه، بل يعني تحريره من القراءة السطحية، وإعادته إلى سياقه الاجتماعي والتاريخي، بوصفه نتاجًا إنسانيًا تشكّل تحت شروط محددة، ويمكن بالتالي إعادة تأويله بما يخدم الحاضر.

يقدّم التراث الشعبي الكوردي مثالًا بالغ الدلالة على العلاقة المعقّدة بين التراث والهوية والأزمة الحضارية. فقد تشكّل هذا التراث في سياق تاريخي اتسم بالتهميش السياسي، والإنكار الثقافي، وتجزئة الجغرافيا الكوردية. لذلك لم يكن التراث الشعبي الكوردي مجرّد تعبير فني أو طقوسي، بل تحوّل إلى أداة مقاومة رمزية، ووسيلة لحفظ اللغة والذاكرة الجمعية في وجه محاولات الطمس.

تتجلّى هذه الخصوصية في الأدب الشفهي الكوردي، من ملاحم وقصص بطولية مثل مم وزين ودمدم وغيرهما من الملاحم والبطولات، حيث تختلط الأسطورة بالتاريخ، ويُعاد إنتاج مفاهيم الشرف، والحرية، والتضحية. كما يظهر ذلك في الأغاني الشعبية (اللاوك والحييران)، التي لم تكن مجرّد ألحان عاطفية، بل سجلات شفوية للأحداث، والهجرات، والمآسي الجماعية.

رغم هذه الأهمية، يواجه التراث الشعبي الكوردي إشكاليتين متناقضتين:

الأولى، التقديس غير النقدي، حيث يُستدعى التراث بوصفه صورة مثالية للماضي، ويُعاد إنتاجه دون مساءلة، بما يحمله أحيانًا من أنماط تفكير تقليدية لم تعد منسجمة مع تحولات المجتمع المعاصر، خاصة في قضايا مثل دور المرأة، وبنية السلطة الاجتماعية، والعلاقات القبلية.

والثانية، التهميش والتسطيح، حين يُختزل التراث في عروض فلكلورية موسمية، أو يُجرَّد من مضمونه التاريخي والإنساني، ليصبح مجرّد مشهد احتفالي منفصل عن الواقع.

كلتا المقاربتين تساهمان في تعميق الأزمة الحضارية، لأنهما تفصلان التراث عن وظيفته الأساسية: كونه أداة وعي، لا مجرد ذاكرة جامدة أو زخرفة ثقافية.
إنّ تجاوز أزمتنا الحضارية يقتضي بناء وعي جديد بالتراث، وخصوصًا التراث الشعبي، يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

1- التاريخية: أي فهم التراث في سياقه الزمني والاجتماعي، وعدم إسقاطه ميكانيكيًا على الحاضر. فالرقصات، والأزياء، والأمثال الشعبية الكوردية، مثلًا، تحمل دلالات مرتبطة ببيئة جبلية، واقتصاد رعوي، وبنى اجتماعية معيّنة، ولا يمكن التعامل معها خارج هذا الإطار.

2- النقد: ويعني قراءة التراث قراءة تحليلية، تميّز بين ما هو إنساني تحرّري يمكن استلهامه، وما هو تقليدي تجاوزه الزمن. فالتراث الشعبي الكوردي، رغم غناه، ليس بمنأى عن أنماط إقصائية أو أبوية تحتاج إلى مراجعة واعية.

3- التجديد: أي تحويل التراث من مادة ماضوية إلى طاقة إبداعية. وهذا ما نلمسه في محاولات معاصرة لإعادة توظيف الأغنية الكوردية، أو الحكاية الشعبية، في المسرح، والسينما، والأدب الحديث، بما يربط الذاكرة بالراهن.

إنّ التراث ليس عبئًا على الحاضر إذا ما أُحسن فهمه، كما أنّه ليس خلاصًا سحريًا من أزماتنا الحضارية. إنّه، في أفضل حالاته، مرآة نرى فيها ذواتنا التاريخية، ونقطة انطلاق لبناء وعي نقدي قادر على المصالحة بين الأصالة والتحديث. ويظلّ التراث الشعبي الكوردي شاهدًا حيًا على قدرة الثقافة على الصمود، شرط أن ننتقل من استهلاكه بوصفه ماضيًا منغلقًا، إلى قراءته بوصفه مشروعًا مفتوحًا للمعنى، والحرية، والتجدد.

قد يعجبك ايضا