مرور مائة عام علىً قرار عصبة الأمم بإلحاق (ولاية موصل العثمانية) بمملكة العراق

آوات اسعدي

تصادف هذه السنة مرور مئة عام على قرار عصبة
الأمم الصادر بتاريخ 16 من كانون الأول/ ديسمبر 1925 بإلحاق “ولاية موصل” العثمانية بـ “الدولة العراقية”. أي قد اكتمل في هذا التاریخ الشكل النهائي تقريباً لدولة اطلقت عليها العراق، ولأول مرة في التاريخ، وهذا ليس من قبل “العراقيين” بأنفسهم، بل من خلال جهود حثیثة لبريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الاولى.

وكعادة هذه البلاد سوف لن تزيَّن واجهات المدن باللوحات الاحتفائية بتقنيات الإضاءة للتذكير على الأقل بسردية صلة المجتمع مع الوطن في مئويته الأولى.
بود المرء ان يكتب في المئوية مقالاً فیە يحتضن التقدير والعاطفة ومشاعر دافئة. ولكن ما هو مؤكد، ليست كل مئوية تعني النجاح، لان العبرة (في كثير من الحالات) بالخواتيم وليس بالأعمار. وربما هذا امر مؤسف بالنسبة للکثیرین. ومع الأسف الشديد ايضاً لقد ظلت هذه الدولة، وعلی وجە الخصوص منذ ثلاثينيات القرن الماضي، مكتئبةً معلولة بمرض من العيار الثقيل. وإن ظل الاعتزاز والفخر لدى الانسان “العراقي” لأسباب “تاريخية” قائمان. ولكن في يومنا هذا ليس الاعتزاز والفخر ساطعان فيها، بل الخيبة والحزن والاحباط. الحزن من ماضي غريب سالت فيها دماء كثيرة وحروب مدمرة! وحاضر تشوبها الشكوك ویغلب علیە الحرمان من النعم والخيرات! ومستقبل محتمل قاتم، من المرجح ان لا يكون مفضلاً، خاصة إذا ما أردنا وصفاً دقيقاً للظروف الراهنة، التي تمر بها البلاد، تنعدم فيها احتمالات حصول تغييرات في الاتجاه الصحيح للتغلب على الانقسام السياسي والطائفي والاثني المتعمق والمتجذر. لذا بإمكان المرء الادعاء انه بعد مرور مئة عام لم تستطع البلاد من إيجاد الاستقرار وخاصة هوية وطنية حقيقية ومعاصرة. وهناك أسباب كثيرة لكل هذه المأساة والنكسات، لا تعود كلها الى اخطاء وجرائم الاشخاص المسؤولين والحكام طيلة كل العقود العشرة الماضية.

وللمناسبة المذكورة أعلاه نريد في هذا المقال الحصول على نظرة ثاقبة حول موضوع تكوين الدولة العراقية من حيث المساحة من جهة والهوية من جهة ثانية. فالمعروف ان حدود أراضي دولة ما، هي خطوط تحدد أراضيها وتفصلها بوضوح عن الدول الأخرى. وفي هذا الشأن ثمة أنواع مختلفة من الحدود التي تكون حاسماً فيها:

• الحدود الطبيعية والطوبوغرافية: معالم طبيعية مثل الأنهار أو الجبال
• الحدود السياسية: حدود محددة بموجب معاهدات أو أحداث تاريخية او حدود إدارية صرفة لقوى محتلة صاعدة او اصلية صاحب الارض
• الحدود الوظيفية: مناطق تمارس فيها الدولة سلطتها، مثل المناطق الاقتصادية.
• هناك ايضاً الجوانب الثقافية والفلسفية: وهذا الجانب يُناقش مفهوم الإقليمية من منظور إجتماعي ثقافي وفلسفي وتاريخي.

فعلى ماذا استندت حدود هذه الدولة من الناحية الجغرافية؟

إن الرأي “العراقي” السائد رُدد عشرات بل ومئات المرات ككليشة تكرارية، وهو ان البلاد “كان يتكون من ثلاث ولايات: الموصل وبغداد والبصرة”. صحيح ان هذا الشرح الموجز جداً مفيد في توضيح بسيط للفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى من ناحية واحدة فقط: الناحية الإدارية لقوة “محتلة” وهم العثمانيون. ولكن هل تتناغم هذه الطروحات مع الحقائق العلمية؟

ان هذا التعريف الموجز يفتقر إلى المعرفة الجغرافية الدقيقة والراسخة وتفاصيل الواقعية التاريخية. فهو لا يجانب الصواب على نحو صارخ فحسب، بل يخالف الحقائق بشدة. فهذا التعریف يحمل في طیاته کل التناقضات حتى في التعريف الإداري العثماني التي لا یمکن ان تمر على شخص تتمعن بدقة في تلك الأمور. لماذا؟

تقف عراق الدولة في مساحة ضبابية كبيرة جداً. فهي منذ تشكيل حدودها، إذا ما انطلقنا من تسمية البلاد، لم تعد هي نفس العراق الذي نعرفه في الادب الجغرافي العربي الإسلامي. فحدود العراق، مهما كانت أصل الكلمة، سواءاً بالضمة او بالكسرة في صوت العين، موصوف ومعرف في عشرات المصنفات القديمة والتي أطلقت عليها في كثير من الأحيان “العراق العربي”. فحدود هذه البلاد من الشمال يبدأ إما من قرية علث من الجانب الشرقي من دجلة في جنوب سامراء أو مدينة تكريت بإعتبارها على النهاية الشمالية للعراق الى عبادان الإيرانية في الجنوب. وتحدها في الشمال والشمال الشرقي التلال الجنوبية والغربية لجبال زاكروس (جبل حمرين) (أي كوردستان الجنوب) والشمال الغربي بلاد إقليم الجزيرة (بلاد ما بين النهرين او منطقة الموصل) والبادية السورية. ومن الشرق الجنوبي منطقة غرب خوزستان وفي الجنوب يقع صحاري شبه الجزيرة العربية والطرف الشمالي من الخليج.

وهذه المنطقة تتمیز جغرافياً بطوبوغرافيتها المنخفضة وتحمل الكثير من التشابه والتأثر التاريخي المتبادل في اجزائها، خصوصا على طول ضفتي الدجلة والفرات. وقد كان “السومر” و “الاكد” ومن ثم “البابل” و “الكلدان” كانت أسماء علم والتي على الرغم من كل الاضطرابات السياسية، تميزت حقاً باستمرارية ثقافية مذهلة. ومن الضروري ان نشير، انه هنا بالتحديد، سواء نشأة دول المدن او قوى إقليمية بل وحتى إمبراطوريات عظمى تجاوزت حدود بيئتها بين حين وآخر، غير إن أهم ثابت في هذا الصدد كان الكتابة: على الرغم من تنوع اللغات واللهجات التي يتحدثونها، كان الناس يستخدمون دائماً نفس نظام الخطوط والشقوق التي كانوا يحفرونها في الطين الناعم وذلك بإستخدام “قلم” من الحجر او ربما من الخشب.

وكما هو معروف ايضاً، فقد تم استخدام وسيط يمكننا ان نطلق عليه أكثر تحملاً من الوسائط الأخرى والذي یتجاوز الظروف الجوية وأسباب التلف الأخرى. فقد نجت مجموعة لا حصر لها تصل الی الآلاف، بل عشرات الآلاف من الوثائق المكتوبة بالكتابة المسمارية، والكثير منها مازال مدفونا لحد الآن في المواقع الاثرية يتضمن سجلات وقواميس وقوائم الأجور والمخازن ورسائل وعقود والخ. وللتأكيد على الموقع التعريفي والجغرافي لهذه المنطقة نستعين بتلك الكتابات المسمارية إذا كتب احد المختصين في التاريخ القديم عام 1925 وهذا محض صدفة: “قسمت كل من سلالة أكد حوالي عام 2800 قبل الميلاد والبابليون، الذين جاءوا بعدهم، الأرض المعروفة لديهم إلى أربع مناطق أو ”أربعة أركان العالم“: ”الأكد“ في الجنوب؛ ”عيلام“ في الشرق؛ ”عمورة“ في الغرب وأخيراً ”سوبارتو“ في الشمال. ومن الملاحظ ان في هذا التعريف لا نجد شيئاً اسمه ميسوبوتاميا (المصطلح الاغريقي او بلاد ما بين النهرين) او الاشور، لان هذا المصطلح ظهر في وقت متأخر.

إن عرض هذا الصقع من البلاد على هذه الشاكلة يجعلنا ان نتصور من خلالها المفاهيم المكانية وهذا بحد ذاته يساعدنا على فهم وتحديد ما هو موجود على ارض الواقع. ضمن هذا السياق علينا ان نتذكر ما أثبته مؤسس الجغرافيا العلمية كارل ريتر (1779ـ1859) كفكرة “مناسبة جداً” لبناء الكيانات السياسية، ففي رأيه يمكن من خلال مراقبة الطبيعة اكتشاف “البلدان الطبيعية” إلى حد ما. لذا كان ريتر يُطالب بأن تتبع السياسة هذا النظام الطبيعي وأن يكون هذا النظام نظاماً سلمياً: لأنه بمجرد اكتشاف هذا النظام السياسي الصحيح والطبيعي، لن تكون هناك حاجة للحروب والنزاعات. ولكن هذا لم يحصل كما هو معروف للمتابعين.

1

إشكالية حدود عراق الدولة تبدأ في حدودها الشرقية: من الواضح ان تلك الحدود هي حدود سياسية للامبراطورتين الصفوية والعثمانية، حددتها صراعات واتفاقيات ومعاهدات عديدة، اخرها كانت معاهدة كردان 1746. إذ فصلت تلك المعاهدات مناطق نفوذ الدولتين في صقعين جغرافيين طبيعيين مختلفين “العراق العربي” و”كوردستان المركزية او كوردستان الجنوية”. وهنا تجدر الإشارة الى حقيقة بسيطة جداً بات المرء يلتزم في كثير من الاحيان السكوت عنها حفاظاً علی مشاعر الإيرانيين إذ يتعلق الامر بـ “الدولة المعشعشية العربية” (1437ــ1724) بحدودها من الحويزة مروراً بالبصرة ومحمرة الى بوشهر على الخليج. الدولة التي استطاعت ان تحافظ على استقلاليتها في الصراع ما بين العثمانيين والصفويين. فهي من ناحية الجغرافياً الطبيعية تابعة للعراق لا لارض الايران التاريخي.

بما اننا ذكرنا انفاً موضوع الولايات العثمانية يتوجب علينا بعض التدقيق: اذا ما وضعنا خرائط مختلفة للولايات العثمانية نرى بسرعة فائقة انها لم تكن ثابتة بل كانت تتغير بإستمرار. فمع خضوع البصرة الى العثمانيين كانت الولاية (الولاية باللغة التركية هي “إياله”) “مكونة” من ثمانية سناجق في عام 1552 لتتحول في عام 1575، أي بعد اقل من ربع قرن، الى حوالي 27 لواءً و6 نواحي.
وقد كانت هذه المنطقة ايضاً محوراً للصراع العثماني ــ الصفوي. إبان الاحتلال العثماني الجديد في عام 1875 اصبحت حدود هذه الولاية العثمانية تبدأ من منطقة علي الغربي في محافظة ميسان الحالية في العراق لتصل حتى الى منطقة الإحساء/نجد والتي تم إحتلالها من قبل العثمانيين في عام 1871. أي قد ضمت ولاية البصرة “العراقية” كل من الكويت وقطر وحتى المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية.

فماذا يعني هذا الامر؟ هل يعني انه كان “يحق” لعراق الدولة بعد 1920 ضم كل هذه المناطق لان تقسيمات الإدارة العثمانية، التي دعت اليها ظروف غير جغرافية، لتکون الفاصل وتۆخذ کحقیقة في تقرير مصير تلك الاصقاع من البلاد؟

فنظرة سريعة الى خارطة تلك الولاية تُبين بشكل لا يقبل أدني شك بان البريطانيين، الصانعين الاساسيين للدولة العراقية، قاموا بتقليص المساحة الفعلية لولاية البصرة بأكثر من 45٪. لنا ان نتسأل إذا لماذا تظاهر الناشطون العراقيون ومعهم الملك المرحوم فيصل الاول بالتمسك بالحد الأقصى لولاية موصل العثمانية (جغرافياً: إقليم الجزيرة وكوردستان الجنوب) ثم يقبلون بما هو أقل من النصف في الجنوب العربي؟

2

وقعت مدينة الموصل تحت النفوذ العثماني عام 1516 وتم ربطها في البداية كسنجق تابع لولاية دياربكر. من المرجح ان موصل قد أصبحت مركزا لولاية جديدة عثمانية عام 1539 ولم يكن حدودها أكثر من قضاءين: الموصل وتكريت وثلاثة نواح، شيخان ومخمور ودير مقلوب في البداية. ولأسباب تتعلق بالصراع مع الصفويين في منتصف القرن السادس عشر تم ضم هذه الولاية لبعض الوقت الی ولایة بغداد العثمانية. ولكن هذا لا يعني ابداً ان جغرافيا المنطقة قد تغيرت لتكون جزءاً من “العراق الجغرافي”; كلا! بل ان السياسة التوسعية لعبت دوراً أساسياً في موضوع الجغرافيا عبر ذلك الصراع وتأثيرها الفعال على التنظيم الإداري.

ليس هناك أدني شك في ان “موصل”، وهذا ما اثبته ايضاً مؤلف كتاب “الموصل في العهد العثماني” عماد عبدالسلام رؤوف، “كانت خلال عصور طويلة متعاقبة باعتبارها قاعدة لبلاد الجزيرة التي تشكل اقليماً واحداً متكاملاً، يمتد غرباً حتى يقرب من مدينة حلب. بمعنى أن موصل كانت خارجة عن الحدود التقليدية لإقليم العراق الممتد شمالاً من عانة حتى حلوان (قرب خانقين الحالية) مروراً بتكريت.” وهذا الكلام في نفس الوقت یعتبر تعريفاً واضحاً ايضاً عن العراق الجغرافي قلما نجده لدى الأكاديميين العرب، وبالأخص العراقيين منهم، من الذين يعالجون الأمور الجغرافية بشكل مختصر في مساهماتهم وكتاباتهم التاريخية. وهنا بالتحديد تکمن الإشكالية الكبرى في موضوع “ولاية موصل العثمانية”. إن هذا الامر لن يغيب فقط عن بال المتابعين، بل كثير من المتابعين يجهلونه تماماً او يتجاهلونه عن قصد وكأن الحقائق قد سقطت امامهم لصالح الأوهام.

موضوع موقع “ولاية موصل الجغرافي” شيء ومحاولة الاستيلاء عليها واستحواذها وتملكها من قبل الطامعين المتربصين لأسباب توسعية صرفة شيء آخر. وهذا ما حدث في أكثر من حالة. ففي ظل الحكم العثماني، حدث ذلك فعلاً، وان لم تكن لأول مرة. بالأخص محاولة باشاوات وولاة بغداد العثمانيين والمماليك (سواءً كان داود باشا، او حسن باشا او غيرهم). لقد كانت تلك المحاولات لإخضاع إقليم موصل لها أسباب توسعية صرفة. وهي لم تكن ابداً “عملية تاريخية قديمة نشطت بالتدريج” لضم موصل الى العراق “توقفت منذ القرن الثالث عشر”، كما يدعي المؤلف المقتبس أعلاه السيد رؤوف. وبالتأكيد لم تكن ايضاَ محاولة لـ “توحيد ارض العراق”، كما حاول الدكتور عبد العزيز سليمان نوار عشرات المرات التأكيد عليها في كتابه المعنون بـ “داود باشا، والي بغداد”.

نقول ذلك لأن الاخير كان مطلعاً باهراً عن الأمور الجغرافية. لقد استخدم في كتابه المذكور المواقع الجغرافية بتسمياتها الفعلية كما هو الحال في إطلاقه عشرات المرات مصطلح كوردستان على مناطق كوردستان الجنوب (كوردستان العراق). نعتقد ان هذا الامر بحد ذاته إبتعاد واضح عن موقف اكاديمي رصين وتموضع في الوقت نفسه في موقع غريب، يجمع بين الاعتراف والإعتراض بين المعرفة بحقيقة واقعية عن وجود صقع جغرافي يدعى كوردستان وانكار هذه المعرفة بوضع هذه البلاد في بوتقة العراق. فالسيد نوار لم يخطر في باله ان يطرح السؤال التالي: لماذا يتعين علی هذە الأرض الجغرافية ان تكون جزءًا من ارض العراق الجغرافي؟

نستطيع ان نقول ان الدعاية ومؤثراتها كانت في كثير من الأحيان حتى لدى الأكاديميين هي صاحبة الصولة والجولة. على اية حال إدارياً كانت حدود ولاية الموصل في البداية تحدها من الشرق ولاية شهرزور (ومركزها كركوك) ومن الشمال ولاية دياربكر ومن الغرب ولاية الرقة و من الجنوب ولاية بغداد.

3

لقد شاءت الصدف ان تكون هناك تطورات إدارية أدت الى تكثيف الاهتمام بمدينة موصل وولايتها وذلك عبر الحاق ولاية الشهرزور العثمانية بها والتي كانت تشمل جغرافيا اصقاع واسعة من أراضي كوردستان الجنوب.

ضمن هذا السياق ينبغي التأكيد على امر مهم: إن ما يطلق عليه إدارياً “ولاية شهرزور” العثمانية لم تكن جزءً من بلاد او اقليم موصل أو بلاد الجزيرة (موضوع بلاد سوبارتو نتطرق اليه في عمل قادم وهو قيد التحضير). ولم تكن تنتمي ايضاً الى العراق على الإطلاق، بمعنى انه كان والى يومنا هذا جغرافياً إقليماً مستقلاً بكل معنى الكلمة. ومصطلح الشهرزور بحد ذاته أُستخدم للإشارة إلى ولاية عثمانية مركزها كركوك مما أدى إلى حدوث “ارباك كبير في المصطلحات الجغرافية”. لعل ما جاء في انسكلوبيديا الإسلام (اي موسوعة الاسلام) عن شهرزور جدير بالاقتباس هنا: في بداية القرن الثامن عشر حصل حاكم العراق حسن باشا من الباب العالي على الموافقة لوضع جنوب كوردستان تحت إدارته. وهكذا تم تشكيل ولاية شهرزور، التي كانت تتألف من سناجق كركوك واربيل وكويسنجق وقلاجوالان (شهربازير حالیاً) ورواندوز وحرير. ولكن سرعان ما انتفض قادة بابان و أصبح شهروزر تحت سيطرتهم.

لم يكتب التاريخ للامارات الكوردية نجاح طويلة الأمد في البقاء. إذ تم حل هذه الإمارات شبه المستقلة (سوران و بهدينان وبابان واردلان) واحدة تلو الأخرى تدريجياً خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من قبل قوات الحكومات العثمانية والصفوية، ومن ثم قد دمجت أراضيها بالكامل في الهياكل الحكومية المعنية. ومنذ الإصلاح الإداري في عام 1867 و”إعادة” تشكيل ولاية الموصل تم استعاضة تسمية ولاية شهرزور بسنجق كركوك وهذا لتجنب الخلط بين شهرزور وسنجق دير الزور التابعة لولاية حلب. من المحتمل ان هذه الاستعاضة قد وقعت في عام 1894.

وللتذكير فإن الأعضاء المفوضون من قبل عصبة الامم اثبتوا في تقريرهم عن ولاية موصل أن العراق والولاية المتنازع عليها ما بين البريطانيين والعثمانيين تشكلان بكل وضوح ثلاثة اجزاء متمايزة: العراق العربي والجزيرة وكوردستان. مضيفين على ذلك: “ولو أنَ الحجة القومية اخذت في الحساب لوحده، فإنَ الاستنتاج الذي ليس هناك غيره يحتمِ خلق دولة كوردية مستقلة مادام الكورد يؤلفون خمسة اثمان السكان، أضف الى ذلك لو اخذ بحلَ كهذا فإن اليزيدية الشبيهين بالكورد اعظم شبه من الناحية العرقية، والترك الذين يسهل على الكورد التعايش معهم، يجب إدخالهم في تقدير عدد الكورد وعندئذ سيؤلف الجميع سبعة أعشار المجموع الكليَ للسكان.”

ما هو واضح ولا غبار عليه: ليس هناك وحدة ترابية وجغرافية وتاريخية ومناخية واثنية لهذا الكيان السياسي الذي يطلق عليه العراق منذ مئة عام. فهو مكون اصلاً من خمس مناطق مختلفة جداً، تم ربطها في هيكل سياسي جديد على يد بريطانيا العظمى: العراق العربي (ناقصاً بعضا من أراضيها في الخليج وهي تحت السيطرة الايرانية) وبعضاً من الجزيرة (الميسوبوتاميا) (لان الجزيرة تمتد الى أواسط اناضول) والقسم الأكبر من كوردستان المركزي (او كوردستان الجنوب). ومن ثم قد أضيفت الى حدودها الغربية ايضاً جزءاً من ارض البادية. بينما اجزائها الجنوبية الغربية استقطعت من شبه الجزيرة العربية عنوة علی يد البريطاني المتعجرف السير بيرسي كوكس ضد إرادة العاهل السعودي.

مع كل ذلك ليس في خلد احد اعتبار العراق “مؤامرة إمبريالية” و”كياناً” بريطاني الصنعة اصلاً.

4

لقد تم بناء الدولة العراقية على أساسين نقيضين من الصعب الجمع بينهما وتوحيدهما: في اول الامر إنشاء دولة عربية وملك عربي، اي بهوية اثنية عربية حتى ان لم يكن الملك أصلا من مواليد العراق، من ثم أراد بعض الساسة من صفوف أولئك الذين فسروا الجغرافيا والتاريخ على اهوائهم ومن منظار آخر مخالف للوقائع الجغرافية والتاريخية استلوا (استولوا علی تقصد؟) مفهوم حضارة وادي الرافدين (الميسوبوتاميا) من منظار بريطاني خاطئ اصلاً.

لعل النقطة الأولى، الهوية العربية، موضوع شائك أكثر مما يتصوره المرء. لنرى مثالاً (وهناك عشرات الامثلة) عما كتبه الشيخ محمد، نجل الإمام شيرازي، الى ولي عهد المملكة الحجازية الأمير علي بن الحسين في صيف 1919: “ان القطر العراقي كسائر الأقطار العربية التي بايعت جلالة الملك أبيكم، وأزيدكم انه لأكثر تحمساً في سبيل الاستقلال التام، وأشد نعرة قومية، وأقرب الى الوحدة العربية، وذلك لأنه مسكون بشعب عربي بحت ليس فيه دخيل يخشى شره، وها هو اليوم ينتظر بفروغ الصبر أن يسمع صدى دفاعكم عنه، فقد أكله الظلم، ونخر عظامه الاستبداد.”

هل تتناسب هذه الطروحات وخطابات النعرة القومية في اصقاع (إذا ما سلمنا بحدود الدولة العراقية كما تم تشكيلها) تعيش فيها اثنيات ومذاهب وديانات وقوميات وعشائر والخ مختلفة؟

ومن ناحية أخرى كتب الملك فيصل الى وزير الخارجية البريطانية اللورد كيرزن في لندن في أواخر صيف 1923 بعد تصديق حكومة انقرة على معاهدة لوزان “… رجائي الأكيد من فخامتكم أن تكون قضية الموصل، التي تتوقف عليها حياته (أي حياة الشعب العراقي) موضوع إهتمامكم الدائم والدرةّ الثمينة في تاج موفقياتكم.”

اليس امراً مدهشاً وغريباً لكيان دولة تُبنى على ارض مهد الحضارة الإنسانية، بلاد السومر والاكد، ان تتوقف حياة شعبها على صقع آخر (صقعين مختلفين اصلاً) من الأرض؟ هل يُعقل هذا؟ هل رسم المرحوم الملك فيصل الأول والآخرين صورة مشوهة عن العراق العربي الحضاري؟

هل كان العثمانييون قد قاموا بتجفيف الاهوار، ركيزة الحياة الاقتصادية في جنوب البلاد، لتصبح العراق العربي غير قادراً على الحياة اصلاً؟

الن يشبه كلام الملك المرحوم بحالة غير طبيعية وكأن ثمة علاقة سحرية للغاية نشأت على غفلة، تكاد تكون تكافلية، بين ثلاثة كيانات جغرافية مختلفة على حد قوله؟ وكأنه يعبر عن ترابط متبادل وعميق جداً لدرجة أن الحدود الفردية تتلاشى وتظهر وحدة جديدة لا تتجزأ ابداً.
ولكن هل كانا الصقعان الاخران (إقليم موصل وكوردستان الجنوب) ايضاَ بحاجة الى العراق العربي؟ اليست عبادان أولى ان تكون جزءاً من العراق العربي وهي اقرب بكثير من الجزيرة وكوردستان الجنوب؟ ام كانت دولة العراق تحت السيطرة العثمانية قد عانت اكثر مما كان تعانيه الجزيرة وكوردستان الجنوب من عواقب الحرب الكونية الأولى من المجاعة والدمار والحكم العثماني الأسود خلال القرون الماضية؟

الأرجح إن امر الملك فيصل واعوانه والنشطاء العراقيين العرب في المطالبة بولاية موصل (الجزيرة وكوردستان الجنوب كاملة) لم يختلف شيئاً عن الاستمرارية في تلك السياسة التي أشرنا اليها انفاً: التمدد والتوسع والاستيلاء على آراض الآخرين، كما سبقوهم في ذلك المسؤولون العثمانيون في بغداد ــ لا أكثر ولا اقل.

بطبيعة الحال لم يذكر هؤلاء هذا المأرب علناً. وهذا بخلاف البريطانيين الذين صنعوا لهم ما لم يكونوا قادرين عليە ابداً امام الاتراك العثمانيين، وعلی وجە الخصوص اولئك الذين وقفوا ضد تأسیس دولة كوردستان الجنوب والحقوا ارضها الخصبة والغنية عنوة بدولة العراق. فهولاء لم يلتزموا الصمت، بل تكلموا عنها بوضوح وفي مناسبات عدة. وعلى رأسهم ارنولد تالبوت ويلسن، الحاكم المدني البريطاني، وهو كان من اشد أعداء تشكيل دولة كوردستان الجنوب بعد عام 1918 إذ حاجج في كثير من المناسبات في مراسلاته مع السلطات في لندن والتي تكرر فيها بشکل مستمر ان ضم ولاية موصل (الولاية كاملة، وليس فقط الجزء “العربي” منها) الى العراق “ضروري لإنشاء دولة عراقية قابلة للحياة” (وهذا النص بالانکلیزیة): ” … essential to making a viable state of Iraq.”. إذا لقد سلك موضوع “فقر” العراق العربي المعزوم مسلكاً مضادّاً للتطورات التالية.

ولكن حتى إذا كانت معاناة سكان تلك المناطق (في العراق العربي) لا يمكن رفعها من خلال الموارد المتاحة في تلك البلاد، فهل هذا يبرر الوجه العملي ان لم نقل “الأخلاقي” (لأن كما يقال كثيرا ان الاخلاق لا محل لها في السياسة) ان يتم الحاق منطقة أخرى بتلك البلاد كحل لمعضلتهم الاقتصادية؟

5

رغم كل ذلك ومهما كانت الأمور هنالك حقيقتان ظلتا قائمتین في تاريخنا المعاصر:

الحقيقة الأولى: إن إنشاء الدولة العراقية حمی بل وحرر حقاً العراق العربي وكوردستان الجنوب وارض الجزيرة من يد العثمانيين والكماليين وهذا فقط بفضل التواجد البريطاني في المنطقة وخسارة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، بمعنی ان ذلك کان احد اهم منجزات “الاستعمار الغربي” في المنطقة.

الحقيقة الثانية: ان انشاء العراق على هذه الشاكلة الاصطناعية لم يترك نافذة مفتوحة نحو مسار آخر تستحقه ارض كوردستان الجنوب باتجاه الدولة. ربما هذا هو أحد الأسباب في بقاء العراق في حالة من عدم اليقين وهشاشة الاستقرار وربما الى العقود المقبلة ايضاً.

لنا ان نتسائل كيف تموضع العراق، كوطن جديد، في خطابە وفعلە تجاه الأجزاء الأخرى وخاصة كوردستان الجنوب؟

لقد اخبر المسؤول البريطاني يونغ المرحوم الملك فيصل الأول في تشرين الأول من عام 1921، بان بلاده لا يرغب في انشاء استعمار عربي على كوردستان (ملاحظة: لم يقل له شمال العراق) ولم يرد المرحوم فيصل الأول عليه، بانه مخطئ في رؤيته لتلك البلاد والمواضيع الجغرافية والاثنية و الخ. ففي تلك الأيام لم يكن سهلاً على الملك الفيصل تقبل كل هذه المطاليب، غير انه حس في وقت مبكر بضرورة التحلي بضبط النفس و ترويض كوردستان بنوع من الانسجام الذي لا مفر منە. وحقاً قد احسن القيادة، لانه استمع الى نصائح ناصحيه وحاميه الفعليين من البريطانيين.

فبمقارنة بسيطة بين خطاب تتويجه في 23 أب عام 1921 وخطابه في حفلة إفتتاح البرلمان الجديد قبيل قرار لجنة عصبة الأمم عن مصير ولاية موصل في أواخر تموز 1925، نجد ان الملك تجنب هذه المرة من إستخدام كلمة “العرب” في خطابه. بل تحدث بحكمة وبذكاء عن “الأمة العراقية”، في حين إستخدم كلمة “العرب” في خطاب تتويجه مرات عديدة ولم يذكر ولا مرة مصطلح شعب كوردستان او الكورد. وقد ظهر حقاً فيما بعد ان الملك كان امام مراجعة جدية لفكرە السياسي الذي ینعطف بها عن الاستبداد القومي. وهنا نتذكر على الاقل ما قاله المتنبي:

“لا خيل عِندَكَ تهديها ولا مالُ فليُسعدِ النطق إن لم تُسعِدِ الحالُ”

لقد كان الملك فيصل الأول اكثر انصافاً من العديد من الساسة العراقيين بصدد قضية كوردستان الجنوب. إقتبس د. وليد حمدي في كتابه المعنون بـ “الكورد وكوردستان في الوثائق البريطانية” تقريراً للاستخبارات البريطانية في عام 1923 جاء فيە: “كما بادر الشيخ محمود بالكتابة إلى الملك فيصل الأول طالباً منه التدخل لدى السلطات البريطانية بالنيابة عنه لتدهور علاقاته معهم. إلا أن الملك فيصل أجاب بأن كلمة الشعب هي الحاسمة وبأنه لم يصبح ملكاً إلا نتيجة الاستفتاء، وقال أن نفس الشيء مطلوب في كوردستان.”

من الجدير بالذكر ان شيخ محمود الحفيد كان قد استقبل في 1 من كانون الأول 1918 الحاكم المدني البريطاني ويلسون في السليمانية لوضع حجر الأساس لتشكيل دولة كوردستان الجنوب بمساعدة البريطانيين، أي قبل ان يكون هناك أي نوع من التحرك السياسي في العراق العربي باتجاه تشكيل كيان سياسي اصلاً.

لانعرف حالياً فيما اذا كان الملك فيصل الأول قد تدخل فعلاً لدى البريطانيين لصالح قضية كوردستان والشيخ محمود الحفيد، ولكن يبدوا من خلال هذا التقرير الاستخباراتي انه على الأقل لم ينفي وينكر حق شعب كوردستان في اجراء استفتاء لتقرير مصير بلاده. وهذا كان بخلاف موقف البريطانيين في بغداد الذين وضعوا العراق العربي نصب اعينهم وهذا “مهما كان الثمن” ولم يهتموا ابداً بالرغبات المشروعة لشعب كوردستان. وهنا نرى إزدواجية مريضة للمعايير والإنحياز المفرط لهؤلاء البريطانيين وهذا بدون أي مبرر على حساب شعب آخر.

لذا لم يقدموا على حد علمنا ولا مرة واحدة خيار الاستفتاء كحل للقضية الكوردستان ية لخوفهم على نتيجته الطبيعية في رفض شعب كوردستان الحاق بلادهم بالعراق. فهؤلاء كانوا حقاً اقوى لوبي مؤثر وداعم لتوسيع حدود العراق السياسية حيث كانت بعد ذلك في تبلور فعلي. وهذا الموقف كان حقاً بخلاف مواقف وآراء عدد غير قليل من البريطانيين، الذين خدموا في كوردستان والذين كانوا على دراية تامة بخطورة الضم القسري لكوردستان الجنوب وايدوا بشكل مباشر او غير مباشر موضوع استقلال كوردستان الجنوب بالمساعدة البريطانية.

ففي تلك الظروف الصعبة التي رفض فيها أصحاب القرار البريطاني في بغداد تشكيل دولة كوردستان الجنوب لم يبقى لشعب كوردستان غير التعايش مع حقيقة جديدة ليس بمقدورە تغييرها.

6

عرف التأريخ العديد من نماذج “الحركات التحررية”. بعضها تكللت بالنجاح وبعضها أصيبت بالفشل. لذا ليس كل نصر سياسي يعني تحقيق العدالة والشرعية والمشروعية لأن العكس يكون مأسوياً. فكم شعب وقومية في عالمنا اليوم لا يمتلك كياناً سياسياً مستقلا ودولة خاصة بها. فيا ترى هل فشلها یعني عدم العدالة وعدم الشرعية وعدم المشروعية؟

وبخصوص امتداد الحدود العراقية الى أعماق شبه الجزيرة العربية نستطيع ان نقول اننا نواجه حالة إنسانية اكثر من أي شيء آخر. إذ هنا بالتحديد في صحراء الشبه الجزيرة العربية، التي تم الحاقها بالعراق من قبل البريطانييون بناءً على رغبات الحاكم المدني الثاني، أي السير بيرسي كوكس حدث بعد حوالي 58 عاما ابشع جرائم بحق الإنسانية في تاريخ عراق الدولة اصلاً، حيث تم في صيف عام 1983 إعتقال حوالي 8000 رجل وشاب من البارزانيين و تم نقلهم الى صحاري جنوب العراق (منها السماوة) وهناك تم إبادتهم كلياً في قبور جماعية.

تلت هذه المذبحة الدموية في عامي 1987 و1988 مجزرة جماعية (الجينوسايد) الأكثر قساوة، عندما توغلت الهمجية البعثية في خفاء مظلم وربما كان هذا من أكبر حمامات الدم في تاريخ المنطقة أصلا من حيث الوحشية والقساوة. إذ قام نظام البعث العراقي في تلك الفترة بإعدام عشرات الالاف من الكورد، ولكن هذه المرة من كلا الجنسين من الأطفال الرضع الى المسنين الكبار في مقابر جماعية. “الذنب الوحيد” لهؤلاء البشر كان شيئاً واحداً، كونهم من أبناء شعب كوردستان.

يا ترى كم مرة يتقلب خصوم واعداء تشكيل دولة كوردستان الجنوب من الساسة البريطانيين المتوفين من أمثال الآنسة كيرتروده بيل وارنولد تالبوت ويلسن وبيرسي كوكس في قبورهم (كما يقول المثل الانكليزي)، لو علموا أنهم يتحملون قسطاً من هذه المأساة الإنسانية. فلولا رفضهم القاطع لتشكيل دولة كوردستان الجنوب والحاق جزء من صحراء شبه الجزيرة العربية بدولة العراق، ربما ما كان يحدث ما حدث لكثير من أبناء كوردستان العزل والذين كانوا يستحقون ان تُكتب لهم حياة لائقة كالبشر، لا ان يبيدوا في مقابر جماعية وفي صحراء الغربة بوحشية قل نظيرها في التاريخ المعاصر. فمن هذه الزاوية المأسوية نستطيع ان نقول ان قرار هؤلاء المجحف بحق كوردستان الجنوب أدى بالتالي الى مهد الطريق لقرار عصبة الأمم في يوم 1925.12.16، القرار السياسي الذي غير مسار التاريخ وترتب عليه عواقب دراماتيكية بعيدة المدى كان تجنبها ممكناً.

7

لقد انتهى ضم ولاية الموصل (أي إقليم موصل وكوردستان الجنوب) لمصلحة العراق العربي. ويبدوا ان كوردستان الجنوب قدم للعراق موارد كافية، لتضمن “بقائها” على الحياة. فعلى سبيل المثال كتب لينفيلد سون في محاضرة له في ابريل 1935 في لندن حول زيارته لكوردستان “العراق”: “عندما كنت في كركوك، شاهدت حقول النفط التي هي حقاً رائعة. تنتج هذه الحقول حالياً 300,000 طناً من النفط شهرياً، وتحصل الحكومة العراقية على 4 شلنات ذهبية لكل طن كرسوم ترخيص.”

رغم هذا واشياء أخرى كثيرة لم تستطع عراق الدولة التعرف على شيئين للأسف: الاستقرار المتجذر والازدهار المتواصل. أي فشلت هذه البلاد في تحقيق حالة من الثبات العميق التي تسمح بالتطور والنمو المستمر من خلال استغلال فرص التنمية لتطوير المواهب ولمواكبة العصر، حتى وان توفر فيها على الأقل موارد ومقدرات كافية في انحاء البلاد.

يا ترى هل من الممكن ان یكون هناك اصلاحاً جذرياً للدولة العراقية وانقاذها بعد مئة عام على قرار عصبة الامم؟ الم يحن الآن في هذه المئوية الوقت لتقييم العواقب المترتبة على فشل عراق الدولة بشكل واقعي؟

إن الأمل في استمرار التحسن في الدولة العراقية هو أمل مشروع. فإمكانات هذا البلد المنكوب، الذي كان في يوم من الأيام من البلدان الغنية في العالم، وخصوصا قبل عام 1980، أي قبل نيران اللعنتين الكبيرتين المروعتين في المنطقة “نكبة الثورة الإسلامية في إيران” و “نكبة قادسية صدام”، والتي تلتهما غزو الكويت الغاشم، لم تستنفذ بعد بأي حال من الأحوال.

ربما لا يوجد اليوم سوى مخرج واحد أمام أطراف النزاعات المتعددة، خاصة بعد ان تشتت كل التيارات السياسة بشكل فاضح وتصاعدت الازمات بين حكومتي بغداد واربيل: على الجميع أن يتماسكوا!

وكما هو الحال في نشأة هذه الدولة، فإنها بالتأكيد ليست بكيان مثالي اليوم ومن الصعب التوقع ان يصبح مثالياً لا في القريب العاجل ولا على المدى المتوسط. وهذا للأسف على عكس العديد من الدول الغنية في العالم. مهما كانت الأمور فإن الدولة العراقية قد أصبحت وطناً لأبنائه وهي ليست كياناً وهمية. وما لا شك فيه ستظل الحكومة الحالية والقادمة والسياسيين “المسؤولين” باجمعهم ملزمين بالنجاح في بناء البلاد أولاً وآخراً وهذا ما یستحقه أبناء هذه البلاد بكل اطيافه.

والطبقة السياسية في العراق تتحمل ايضاً المسؤولية الفعلية لمواجهة وإفشال ذلك المشروع الخطير جداً، الذي يهدف الى جعل الدولة العراقية بعد كل هذه العقود الى مستعمرة ضعيفة او عديمة الإرادة وخاضعة لولاية الفقيه.

قد يعجبك ايضا