حوران حم
ليست كل الأيام متشابهة في ذاكرة الشعوب، فهناك أيام تتكثف فيها الرموز، وتتقاطع فيها المشاعر، ويصبح الفرح فيها فعلاً مقاوماً، لا ترفاً عابراً. في هذا اليوم، اجتمعت فرحتان في وجدان الكورد؛ فرحة تكريم نادي زاخو وجمهوره من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وفرحة يوم علم كوردستان، ذلك الرمز الذي اختصر قرناً كاملاً من المعاناة والصبر والنضال. وبين الفرحين، يقف شعبٌ اعتاد أن يدفع ثمن وجوده، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن حقه في الحياة والكرامة.
حين كرّمت فيفا نادي زاخو بجائزة أفضل جمهور على مستوى العالم، لم يكن التكريم رياضياً صرفاً، بل اعترافاً غير مباشر بثقافة شعبٍ طالما حُرم من الاعتراف السياسي والحقوقي. جمهور زاخو، الذي ملأ المدرجات بالألوان والأهازيج والانضباط، لم يكن يهتف لفريقٍ فقط، بل كان يهتف لمدينةٍ كوردية عرفت الإهمال والتهميش، ولشعبٍ حُوصر طويلاً في الجغرافيا والسياسة، لكنه وجد في الرياضة متنفساً ليقول للعالم: نحن هنا، نحب الحياة، ونستحق أن نُرى.
هذا الجمهور الذي أدهش العالم، هو ذاته ابن المعاناة اليومية؛ ابن القرى التي هُجّرت، واللغات التي مُنعت، والهوية التي جرى إنكارها لعقود. هو جمهور نشأ على سماع قصص الأنفال، وحلبجة، والسجون، والتعريب، والتغيير الديمغرافي، وعلى رؤية الخرائط التي قُسمت دون أن يُسأل أصحاب الأرض. ومع ذلك، حين أُعطيت له فرصة التعبير، قدّم صورة حضارية راقية، تؤكد أن القمع لا يقتل الروح، بل يصقلها.
وفي اليوم نفسه، كان علم كوردستان يحتفل بذكراه، علماً لم يولد في مكاتب الدول، بل خرج من رحم المعاناة. كل لون فيه يحكي قصة ألم: الأحمر دماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الأرض والهوية، الأبيض حلم السلام الذي طال انتظاره، والأخضر أرض كوردستان التي أُنهكت بالحروب لكنها بقيت معطاءة، أما شمس الحرية في الوسط، فهي وعدٌ لم يتحقق بعد، لكنه لم يسقط من الوجدان يوماً.
يوم علم كوردستان ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل وقفة مع الذات، مع تاريخٍ طويل من الاضطهاد الممنهج. شعبٌ حُرم من لغته في المدارس، ومن اسمه في الوثائق، ومن تمثيله في الدولة، وتعرض لسياسات الصهر والإنكار، ثم طُلب منه أن ينسى كل ذلك ويذوب في هوياتٍ مفروضة. لكن الكورد، في كل مرة، كانوا يعيدون تعريف وجودهم، بالثقافة، بالفن، بالسياسة، وبالرياضة أيضاً.
هنا يلتقي المعنى العميق للفرحتين. فتكريم زاخو هو تكريم لقدرة الكورد على تحويل الألم إلى طاقة إيجابية، ويوم العلم هو تذكير بأن هذه الطاقة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل من الصمود. المدرج الذي امتلأ بجماهير زاخو هو ذاته الساحة التي يرفرف فيها علم كوردستان، والهتاف الرياضي الصادق هو امتداد للهتاف الوطني الذي لم يخفت رغم كل محاولات الإخماد.
في واقعٍ ما زال الكورد فيه يدفعون ثمن غياب الحلول العادلة لقضيتهم، يصبح الفرح فعلاً سياسياً بحد ذاته. أن تفرح كوردستان، يعني أنها لم تُهزم. أن يُكرَّم جمهور كوردستاني عالمياً، يعني أن الصورة النمطية التي حاولوا لصقها بالكورد تتهاوى. وأن يبقى العلم مرفوعاً في القلوب قبل الساحات، يعني أن الهوية أقوى من الحدود، وأبقى من الأنظمة.
هي فرحتان في يومٍ واحد، نعم، لكنهما خلاصة مسارٍ طويل من الألم والأمل. فرحتان تقولان إن شعباً عانى كثيراً، لا يزال قادراً على الغناء، وعلى التشجيع، وعلى رفع علمه عالياً، بانتظار يومٍ تتحول فيه كل أيامه إلى أعياد، لا استثناءات مؤقتة.