الصحفي حيدر فليح الشمري
ليس التآكل الثقافي شقًّا في جدارٍ قديم ، بل صدعٌ في الذاكرة الجماعية ، ذاكرةٌ تُهمل فيضيع الاتجاه ، ويختلط الصوت بالصدى ، حين نبحث اليوم عن الوعي الثقافي في المجتمع العربي ، نجده موزّعًا بين شذراتٍ متباعدة ، كأن المعنى نفسه هاجر من نصوصنا وسلوكنا ، وترك خلفه لغةً مستهلكة وأفكارًا سريعة التلف ، ليست المشكلة في غياب الثقافة ، بل في تهميشها حتى صارت زينة خطاب لا بوصلة حياة .
الوعي الثقافي هو العمود الفقري للهوية الحضارية ، به نقرأ أنفسنا ونفهم العالم ، غير أن المسافة بين الأجيال اتّسعت ، فجيلٌ يكتب بمداد الورق وآخر يفكّر بمنطق الشاشة ، وبينهما فراغ لم تملأه سياسات ثقافية جادّة ولا تعليمٌ يربط المعرفة بالسؤال ، التعليم وقد حُشر في قوالب الامتحان ، نسي أن مهمته الأولى بناء العقل النقدي ، لا تخزين الإجابات ، وهكذا نشأ وعيٌ هشّ ، يصدّق العناوين ويخاف من الاختلاف .
تزيد الثقافة الاستهلاكية الطين بلّة ، فهي لا تكتفي بتسليع الأشياء ، بل تسلّع القيم ، يصبح الكتاب محتوى عابرًا ، والفكرة منتجًا مؤقتًا ، ويُقاس التأثير بعدد الإعجابات لا بعمق الأثر ، في هذا المناخ ، تتراجع الأسئلة الكبرى لصالح وصفات جاهزة للحياة ، وتخفت الأصوات الحرة لأن الضجيج أعلى .
لكن الأقلام الحرة قادرة على الفعل ، شرط أن تعي أن دورها لم يعد ترفًا بل ضرورة ، الكتابة اليوم مطالبة بأن تكون جسرًا :
تربط التراث بالراهن ، وتترجم القيم إلى سلوك ، وتعيد للغة وظيفتها الأخلاقية والجمالية ، ليس المطلوب خطابةً ولا وعظًا ، بل سردًا يُنصت للناس ، وتحليلًا يكشف جذور الأزمة دون تبسيط ، وخيالًا يفتح نوافذ الأمل دون إنكار الواقع .
أما التقنيات الحديثة فليست عدوًا بالضرورة ، هي أداة إمّا أن نُحسن استخدامها فتغدو منصّة معرفة وحوار ، أو نتركها تُعيد إنتاج السطحية ، الاستثمار الذكي فيها يعني محتوى رصينًا ، ومساحات نقاش آمنة ، ومبادرات تشاركية تُقرب الأجيال بدل أن تُباعدها ، الحوار الهادف حين يُدار باحترام، يصنع ثقافة تعايش حقيقية ، ويحوّل الاختلاف من تهديد إلى فرصة تعلّم .
إن استعادة الوعي الثقافي تبدأ بقرار :
أن نُرمم المعنى قبل أن نُرمم الواقع ، بسياسات ثقافية واضحة ، وتعليم يُحرّر العقل ، وإعلام يُنير لا يُضلّل ، وأقلامٍ شجاعة تعرف أن الكلمة مسؤولية ، حينها فقط يمكن للهوية أن تستعيد نبضها ، وللمستقبل أن يكون أكثر وعيًا ، وأكثر إنسانية .