د. خليل مصطفى عثمان
(مئة عام من الاندماج القسري)
من المنظور الكوردستاني، لا يُنظر إلى ربط ولاية الموصل بالمملكة العراقية بوصفه عملية توحيد وطني طبيعية، بل كنتاج مباشر لإرادة القوى الاستعمارية التي أعادت رسم خرائط المشرق بعد الحرب العالمية الأولى، على حساب تطلعات الشعب الكوردي. فقد كانت كوردستان الجنوبية طرفاً أصيلاً في معادلات الصراع الدولي، لكنها غُيّبت كذات سياسية مستقلة، وحُوّلت إلى ورقة تفاوض بين بريطانيا وتركيا وفرنسا.
يُفسَّر الاحتلال البريطاني لولاية الموصل (1918) في الذاكرة الكوردستانية باعتباره انتقالاً من سيطرة عثمانية مركزية إلى هيمنة استعمارية جديدة، لا تقل عنها تهميشاً للحقوق القومية. دخلت القوات البريطانية الموصل بعد انتهاء العمليات العسكرية رسمياً، في تجاوز واضح لمبدأ الشرعية الدولية، ما يؤكد أن الهدف لم يكن حماية السكان المحليين، بل تأمين موقع استراتيجي غني بالموارد داخل كوردستان.
تكشف اتفاقية سايكس–بيكو وما تلاها عن تغييب كامل للإرادة الكوردية. ومثّلت هذه الاتفاقيات تأسيساً مبكراً لتقسيم كوردستان وإلحاق أجزائها بدول ناشئة لا تعترف بالهوية القومية الكوردية. ومن جانب اخر تُعدّ حكومة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية (1919) (1922-1923) أول تعبير سياسي حديث عن إرادة كوردستانية مستقلة في جنوب كوردستان. غير أن الدعم البريطاني لها لم يكن اعترافاً بحق تقرير المصير، بل أداة لإدارة المرحلة الانتقالية. وعندما طالبت الحكومة بصلاحيات أوسع واستقلال فعلي، قوبلت بالقمع، ما عزز القناعة الكوردية بأن بريطانيا لم تكن حليفاً بل قوة انتداب ذات أجندة خاصة.
استُخدم الكورد كحاجز جيوسياسي لمنع عودة السيطرة التركية على ولاية الموصل. ودعمت بريطانيا بعض الزعامات الكوردية لإثبات أن المنطقة غير تركية، لكنها امتنعت عن تحويل هذا الاعتراف الضمني بالخصوصية الكوردية إلى كيان سياسي معترف به، ما جعل الكورد طرفاً مُستغلاً لا شريكا ومن جانب اخر مثّلت معاهدة لوزان (1923) نقطة تحوّل سلبية في التاريخ الكوردستاني، إذ جرى التخلي عن الوعود السابقة (كما في سيفر) المتعلقة بإمكانية قيام كيان كوردستاني.
كما ان إرجاء البتّ في مصير ولاية الموصل دون إشراك ممثلين حقيقيين للكورد عكس تراجعاً دولياً عن مبدأ حق تقرير المصير لصالح استقرار الدول القومية الجديد. على الرغم من اعتراف لجنة عصبة الأمم بالطابع الكوردي الغالب على الولاية، فإنها تعاملت مع الكورد بوصفهم «مكوّناً يحتاج إلى حماية» لا «شعباً صاحب حق سياسي».
شكّلت اللجنة فرصة ضائعة للاعتراف بكوردستان الجنوبية كوحدة سياسية مستقلة أو على الأقل كإقليم ذي حكم ذاتي حقيقي. رغم تضمّن توصيات اللجنة ضمانات للكورد (اللغة، الإدارة المحلية)، فإن غياب آليات إلزامية لتنفيذها جعلها وعوداً شكلية. في الوعي الكوردستاني، مثّلت هذه التوصيات نموذجاً مبكراً لما سيتكرر لاحقاً: الاعتراف النظري بالحقوق مقابل الإقصاء العملي.
يُنظر إلى قرار عصبة الأمم عام، على أنه شرعنة دولية لضم كوردستان الجنوبية إلى دولة لم تُستشر شعوبها في تأسيسها. ومن هذا المنظور، لم يكن القرار حلاً للنزاع، بل تثبيتاً لتقسيم كوردستان وإدخال الكورد في دولة قومية عربية دون عقد سياسي متوازن. أظهرت التجربة اللاحقة أن الدولة العراقية، منذ نشأتها، لم تنجح في بناء شراكة حقيقية مع الكورد. فقد قوبلت المطالب الكوردية بالحكم الذاتي بالقوة العسكرية، وتكررت الانتفاضات، ما يؤكد أن ربط الولاية تم دون معالجة الجذر السياسي للقضية الكوردية. كما شكّلت الضمانات المقدمة للكورد جزءاً من الخطاب الدولي أكثر منها التزاماً سياسياً. ومع انتهاء الانتداب البريطاني، تلاشت الرقابة الدولية، وتُرك الكورد لمعادلة داخلية غير متكافئة.
بعد مرور قرن على ربط ولاية الموصل بالعراق، لم تُحل القضية الكوردية جذرياً. ان تشكّل إقليم كوردستان العراق بوصفه تصحيحاً جزئياً لمسار تاريخي مختل. لكن لا يزال مصير المناطق الكوردستانية مرتبطاً بإشكالية الدولة المركزية وحدود ما بعد الاستعمار. من المنظور الكوردستاني، لم يُغلق ملف ولاية الموصل تاريخياً، بل تحوّل إلى أساس للمطالبة المستمرة بالاعتراف والحقوق.
أن ربط كوردستان الجنوبية بالمملكة العراقية لم يكن نتاج خيار حرّ للشعب الكوردي، بل نتيجة تسوية دولية فرضتها موازين القوى. وبعد مئة عام، ما زالت آثار ذلك القرار ماثلة في البنية السياسية للعراق وفي استمرار القضية الكوردية بوصفها قضية شعب حُرم من تقرير مصيره.