أصعب اشتياق

عماد الطيب 

كاتب 

أصعبُ اشتياقٍ ليس ذاك الذي يولده الغياب، بل الذي يصنعه القرب المستحيل. أن تشتاق لقطعةٍ من قلبك وهي موجودة في مكانٍ ما على هذه الأرض، تتنفس الهواء ذاته، وربما تنظر إلى السماء نفسها، لكن بينكما مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالعجز. هو اشتياقٌ بلا سفر، بلا حقائب، بلا محطات وداع. اشتياقٌ تقف فيه عند حدودك الداخلية، تمد يدك فلا تلامس سوى الفراغ، وتنادي فلا يعود الصوت إلا صدىً منك إليك. كأن قلبك انقسم ذات يوم، وها هو نصفه يعيش حياة أخرى، يضحك هناك، وربما يحزن هناك، بينما النصف المتروك هنا يتقن فن الانتظار حتى الإعياء. في هذا النوع من الشوق، لا تنفع الرسائل، لأن الكلمات مهما كانت دافئة تبقى باردة أمام رغبة واحدة: أن تضع رأسك قرب ذلك القلب الغائب وتسمع نبضه. ولا تنفع الصور، لأنها تذكير قاسٍ بأن ما تراه لا تستطيع لمسه. حتى الذكريات تصبح سيفًا ذا حدين؛ تمنحك لحظة دفء، ثم تتركك عاريًا أمام واقعك. تشتاق وأنت تعلم أن من تشتاق إليه ليس بعيدًا عن العالم، بل بعيدٌ عنك أنت. موجود، لكن ليس لك. قريب، لكن لا سبيل للوصول إليه. وكأن القدر تعمّد أن يكون ساخرًا، فوضع أغلى ما تملك في متناول الحياة، لا في متناول يدك. هذا الاشتياق لا يصرخ، بل يتآكل بصمت. يسكن التفاصيل الصغيرة: في فنجان قهوة كان سيعجبه طعمه، في أغنية كنت سترسلها له، في جملة تبدأها ثم تبتلعها لأن لا أحد ينتظر سماعها. هو شوقٌ يتقن التخفي خلف ابتسامة، ويظهر فجأة حين تخلو بنفسك. والمؤلم أكثر أنك لا تستطيع كره هذا الاشتياق، لأنه دليل حب، ولا تستطيع إسكاته، لأنه جزء منك. تحمله كما يحمل المرء ندبة جميلة: تؤلمه، لكنه يخشى زوالها لأنها آخر ما يربطه بمن أحب. أصعب اشتياق هو أن تعرف أن قلبك ليس كاملًا هنا، وأن القطعة الناقصة ليست ضائعة، بل محفوظة في مكان آخر، عند شخص ربما لا يدرك أن حياته تسير بنصف قلبك. ومع ذلك، تستمر في الحب، لأنك أدركت أن بعض القلوب خُلقت لتشتاق أكثر مما خُلقت لتلتقي، وأن في هذا الألم رومانسية خفية… تُبقيك حيًا، حتى وأنت تشتاق.

قد يعجبك ايضا