الشيخ عبد السلام البارزاني.. الشهادة بوصفها ميلادًا للفكر القومي الكوردي

د. خليل مصطفى عثمان

في الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1914، أقدمت السلطات العثمانية على إعدام الشيخ عبد السلام البارزاني وثلاثة من رفاقه في مدينة الموصل، في جريمة لم تكن مجرد تصفية جسدية لزعيم ديني واجتماعي، بل محاولة مبكرة لإخماد وعي قومي كوردي أخذ يتشكّل بوضوح في مطلع القرن العشرين. غير أن ما أرادته السلطة نهايةً، تحوّل في الذاكرة الكوردية إلى بداية، وفي التاريخ إلى محطة مفصلية في تطور الفكر القومي الكوردي.

وُلد الشيخ عبد السلام البارزاني عام 1864 في قرية بارزان، وينتمي إلى أسرة دينية عريقة عُرفت بالرئاسة الروحية والاجتماعية في منطقتي بادينان وهكاري. وهو حفيد الشيخ عبد السلام الأول، مؤسس الزاوية النقشبندية في بارزان، ومن أسرة الشيخ عبد الله الملقب بتاج الدين بن ملا أبو بكر البارزاني.

لم يتلقَّ الشيخ عبد السلام البارزاني تعليمًا نظاميًا بالمعنى المتعارف عليه، غير أن نشأته الدينية والاجتماعية، وموقعه في أسرة ذات ثقل روحي، أهّلته ليكون مرجعية مؤثرة في محيطه.

بعد وفاة والده، تولّى الشيخ عبد السلام مسؤولية الزاوية النقشبندية، بوصفه أكبر إخوته الخمسة: الشيخ عبد السلام، الشيخ أحمد، الشيخ محمد صديق، الملا مصطفى البارزاني الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز قادة الحركة القومية الكوردية، والشيخ محمد (بابو). ومنذ تلك المرحلة، لم يكن الشيخ عبد السلام مجرد رجل دين، بل قائدًا اجتماعيًا حمل هموم منطقته، وسعى إلى إصلاح أوضاعها في ظل دولة عثمانية كانت تعاني التفكك، وتعتمد القمع بدل الإصلاح.

وجد خصومه من رؤساء القبائل في هذا الدور المتنامي تهديدًا لمصالحهم، فراحوا يكثرون من الشكاوى ضده لدى موظفي الدولة العثمانية، متهمين إياه بالعصيان والعمل ضد الدولة. غير أن ما كان يُقدَّم بوصفه (تمرّدًا)، لم يكن في جوهره سوى مطالب إصلاحية مشروعة، عبّر عنها الشيخ عبدالسلام بوضوح حين اجتمع مع أعيان المنطقة في مدينة دهوك، ووقّعوا وثيقة رُفعت إلى الحكومة العثمانية، تضمنت مطالب غير مسبوقة في وضوحها القومي والسياسي.

طالبت الوثيقة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتعيين المفتين والقضاة من الشوافع، وهو مطلب ديني يعكس خصوصية المنطقة، كما طالبت باعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية في المناطق الكوردية وتدريسها في المدارس، وتعيين موظفين ومسؤولين يجيدون اللغة الكوردية، فضلًا عن إدخال إصلاحات إدارية واقتصادية لانتشال كوردستان من الفقر والتهميش. وقد أُرسلت نسخة من هذه الوثيقة إلى شخصيات وجمعيات كوردية في إسطنبول، ما أثار حفيظة حكومة الاتحاد والترقي، التي رأت في هذه المطالب تأكيدًا لما وصفته بنزعة انفصالية.

ردّ الاتحاديون بالقوة، فأُرسلت حملة عسكرية بقيادة والي الموصل محمد فاضل باشا الداغستاني إلى بارزان، خلّفت دمارًا واسعًا، واضطر الشيخ على إثرها إلى مغادرة المنطقة واللجوء إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية. وبعد تشكيل حكومة ائتلافية، صدر عفو عنه وعن أتباعه فعادوا إلى ديارهم، غير أن هذا الانفراج لم يدم طويلًا. فبسقوط الحكومة وعودة الاتحاديين إلى الحكم، عُيّن سليمان نظيف باشا واليًا على الموصل.

ورغم أن سليمان نظيف كان كورديًا من آمد (ديار بكر)، إلا أنه كان من أشد المتحمسين للقومية الطورانية، ومعاديًا لأي مشروع إصلاحي في كوردستان. جعل من القضاء على الشيخ عبد السلام هدفًا مباشرًا، وبدأ بفرض سياسات قاسية، من بينها تسجيل القرى المنطقة وإحصاء سكانها تمهيدًا لفرض ضرائب باهظة. وعندما اعترض الشيخ على هذه الإجراءات، استغلّ الوالي حادثة لجوء صفوة بك – المتهم باغتيال محمود شوكت باشا – إلى بارزان، وطالب الشيخ بتسليمه. لكن قيم المروءة والأعراف العشائرية حالت دون ذلك، ولا سيما أن صفوة بك كان قد أسّس مدرسة في بارزان ودرّس فيها بنفسه.

كان الرفض ذريعة كافية لشن حملة عسكرية جديدة على بارزان، نُهبت خلالها القرى، ولم تسلم حتى الزاوية الدينية. اضطر الشيخ مجددًا إلى اللجوء، فتوجّه إلى الأراضي الإيرانية، وأقام مدة في قرية نهري عند الشيخ طه الشمدينان، ثم نزل ضيفًا على سمكو آغا شكاكي، حيث لقي احترامًا وتقديرًا. غير أن الخيانة كانت بانتظاره؛ إذ استُدرج لزيارة أحد رؤساء عشيرة شكاك، وهناك أُحيط به غدرًا وسُلّم إلى السلطات العثمانية.

نُقل الشيخ عبد السلام إلى الموصل، وأُودع السجن، وشُكّل له مجلس عسكري صوري أصدر حكم الإعدام بحقه وبحق بعض أتباعه. ولتنفيذ الحكم بسرعة، وقبل الحصول على موافقة إسطنبول، دبّر الوالي سليمان نظيف باشا مؤامرة بإطلاق نار ليلي في أطراف المدينة، زاعمًا أن أتباع الشيخ يحاولون إنقاذه، فاتخذ ذلك ذريعة لتنفيذ الإعدام فورًا.

في 14 كانون الأول/ديسمبر 1914، أُعدم الشيخ عبد السلام البارزاني ورفاقه، لكن الرصاص الذي أنهى حياته لم يُنهِ فكره. فقد مثّل الشيخ عبد السلام حلقة وصل بين القيادة الدينية التقليدية وبدايات الوعي القومي الكوردي، وكان من أوائل من صاغوا المطالب القومية بلغة الإصلاح والحقوق، لا بلغة التمرد المجرد.

إن استشهاد الشيخ عبد السلام البارزاني لم يكن حدثًا عابرًا في تاريخ الكورد، بل محطة مؤسسة في مسار الفكر القومي، ودليلًا على أن المطالبة بالهوية واللغة والعدالة كانت – ولا تزال – تُواجَه بالقمع بدل الحوار. ومع ذلك، بقي اسمه رمزًا لمرحلة وعي مبكر، جسّدت كيف يمكن للزعامة الدينية أن تتحول إلى مشروع قومي، وكيف يمكن للشهادة أن تخلّد الفكرة بدل أن تطمسها.

قد يعجبك ايضا