طُرِدوا من التاريخ: الكورد نموذجًا

أ.د خليل مصطفى عثمان

استاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر
لم يكن طردُ الشعوب من الجغرافيا وحده هو الجريمة، بل إن الأخطر منه هو طردها من التاريخ. فحين يُمحى اسم شعب من السرديات الرسمية، ويُقصى دوره من الكتب والمناهج، ويُختزل وجوده في الهامش، يصبح التاريخ أداة إقصاء لا سجلًّا للحقيقة. ويشكّل الكورد نموذجًا صارخًا لهذا النوع من الطرد المنهجي من التاريخ.

على امتداد قرون، كان الكورد فاعلين أساسيين في تاريخ الشرق الأوسط سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا. أسهموا في حماية طرق التجارة، وشاركوا في بناء دول وإمارات، وبرز منهم قادة ومفكرون كان لهم تأثير مباشر في مجرى الأحداث. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذا الحضور بوصفه تفصيلًا ثانويًا، أو أُعيد تفسيره ليُنسَب إلى غير أهله، أو أُسقِط عمدًا من الروايات الرسمية للدول الحديثة.

مع نشوء الدول القومية في القرن العشرين، بدأ فصل جديد من طرد الكورد من التاريخ. فقد رُسمت الحدود دون اعتبار لوجودهم، ثم كُرّست سياسات الإنكار، فغاب اسمهم من الخرائط، وحُذفت لغتهم من المدارس، وأُعيدت كتابة التاريخ بما يخدم هوية واحدة، ويقصي الهويات الأخرى. لم يكن هذا الإقصاء بريئًا، بل كان جزءًا من مشروع سياسي يهدف إلى نزع الشرعية عن أي مطالبة بالحقوق.
ولم يكن الطرد الثقافي أقلّ قسوة. فقد تعرّضت اللغة الكوردية للتجريم أو التهميش، ومُنعت في التعليم والإعلام والمؤسسات الرسمية لفترات طويلة. أُغلقت المنابر الثقافية، وحوربت الفنون والآداب الكوردية، وجرت محاولة قطع الصلة بين الأجيال وتراثها. وعندما تُستهدف اللغة، فإن الذاكرة الجماعية بأكملها تكون في مرمى الاستهداف، لأن الثقافة هي الوعاء الذي يحفظ التاريخ والهوية معًا.

أما الطرد الاجتماعي، فتمثّل في سياسات التفكيك والإضعاف المتعمّد للنسيج المجتمعي. فُرضت سياسات تغيير ديمغرافي، وجرت عمليات تهجير، وحُرم الكورد من فرص متكافئة في العمل والتنمية والخدمات. وأدّى هذا التهميش إلى خلق فجوات اجتماعية عميقة، استُخدمت لاحقًا لتكريس صورة نمطية سلبية عن مجتمع حُرم أصلًا من شروط النهوض الطبيعي.

ولم يسلم المجال العلمي والأكاديمي من هذا الطرد. فقد جرى تجاهل التاريخ الكوردي في المناهج الدراسية، أو تقديمه بصورة مشوّهة ومبتورة. مُنع البحث العلمي المستقل في قضايا تتعلق بالكورد، وحورب الأكاديميون الذين حاولوا مقاربة هذا الملف بموضوعية. وهكذا، أُقصي الكورد ليس فقط من صفحات الكتب، بل من إنتاج المعرفة ذاتها، وكأن وجودهم لا يستحق الدراسة أو الاعتراف.
التاريخ، في هذه الحالة، لم يُزوَّر فقط، بل استُخدم كسلاح. فحين يُقال إن شعبًا “لم يكن موجودًا”، أو إنه “طارئ”، تُصبح معاناته غير مرئية، وتُبرَّر السياسات القمعية بحجة الحفاظ على وحدة الدولة أو الهوية الوطنية. وهكذا، تحوّل إنكار التاريخ إلى مقدمة لإنكار الحقوق، بل وإنكار الوجود نفسه.

ورغم ذلك، لم يختفِ التاريخ الكوردي. بقي حيًّا في الذاكرة الشعبية، وفي الأدب الشفهي، وفي الأغاني والملاحم، وفي الوثائق التي لم تُمحَ، وإن جرى تجاهلها. ومع تطور وسائل البحث وازدياد الانفتاح الأكاديمي، بدأت كثير من الحقائق تطفو إلى السطح، كاشفة حجم التلاعب الذي طال سردية المنطقة.

إن إعادة الاعتبار للتاريخ الكوردي ليست مسألة تخص الكورد وحدهم، بل هي اختبار لصدقية الكتابة التاريخية في منطقتنا. فالتاريخ الذي يُقصي شعبًا كاملًا هو تاريخ ناقص، ومشوَّه، وعاجز عن تفسير الحاضر أو بناء مستقبل عادل. والاعتراف بالتعددية التاريخية لا يهدد الدول، بل يحصّنها من الانفجار الداخلي.

طُرِد الكورد من صفحات التاريخ الرسمية، لكنهم لم يُطرَدوا من التاريخ نفسه. فالحقيقة، وإن تأخرت، تجد طريقها دائمًا إلى الظهور. والتاريخ العادل لا يُكتب بإرادة السلطة، بل بشجاعة الاعتراف، واحترام حق الشعوب في أن ترى نفسها في مرآة الماضي.

قد يعجبك ايضا