أ.د.خليل مصطفى عثمان
استاذ التاريخ الحديث و المعاصر
يكتسب التاريخ في الحالة الكوردية بُعدًا استثنائيًا، إذ لا يقتصر دوره على توثيق الماضي، بل يتحوّل إلى أداة فاعلة في تعزيز الوعي القومي، وصياغة الخطاب السياسي، ودعم البناء الاجتماعي والثقافي. فالتاريخ بالنسبة للكورد ليس سجلًا للأحداث فحسب، بل هو قاعدة صلبة تُبنى عليها المطالب والحقوق، وتُستمد منه الشرعية السياسية والثقافية في مواجهة التحديات التي ما تزال تعترض طريق الشعب الكوردي نحو تقرير مصيره.
أولًا: التاريخ في خدمة التوجهات السياسية الكوردية
لعب التاريخ دورًا محوريًا في ترسيخ المطالب السياسية للكورد، من خلال إبراز الجذور العميقة لوجودهم على أرض كوردستان، واستحضار تجارب النضال ومشاريع الحكم الذاتي والكيانات السياسية التي ظهرت عبر القرون. ويقف السياسي الكوردي اليوم على أرضية تاريخية ثابتة تمنحه القدرة على الدفاع عن الحقوق القومية في المحافل الإقليمية والدولية عبر:
1. إثبات الوجود التاريخي المتصل للشعب الكوردي في مناطقه، بما يُفند السرديات التي تحاول إنكار هذا الوجود.
2. استخدام التجارب السياسية السابقة — من مثل جمهورية كوردستان، وثورات بارزان، وحركات المقاومة — كدليل على استمرارية المطالبة بالحقوق.
3. تعزيز الخطاب الدبلوماسي عبر الاستناد إلى وثائق تاريخية، واتفاقيات دولية، ومحطات مفصلية تؤكد شرعية المطالب الكوردية.
إن التوظيف السياسي للتاريخ لا يعني تسخير الماضي للدعاية، بل تحويله إلى أداة للوضوح والمنطق والاقتناع أمام العالم.
ثانيًا: التاريخ في البناء الاجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي
يمثل التاريخ أحد أعمدة الهوية الاجتماعية للكورد، فهو يرسّخ مفهوم الجماعة ويعزز روح التضامن بين مكونات المجتمع. وقد نجح الكورد عبر العصور في الحفاظ على بنية اجتماعية متماسكة رغم التشتت الجغرافي والتقسيمات السياسية. ويظهر دور التاريخ اجتماعيًا في:
1. بناء الوعي الجمعي عبر إعادة رواية قصص النضال والبطولة التي توحّد ذاكرة المجتمع.
2. تعزيز قيم المقاومة والاستمرار التي شكلت جزءًا أساسيًا من الشخصية الاجتماعية الكوردية.
3. توحيد الفئات الاجتماعية عبر إبراز المشترك التاريخي رغم التنوع العشائري والسياسي.
4. نقل الخبرات عبر الأجيال من خلال التراث الشفاهي والكتابي، بما يمنح الشباب هوية راسخة وصلبة.
ثالثًا: التاريخ كحامل للهوية الثقافية الكوردية
الثقافة الكوردية — أدبًا، ولغةً، وفولكلورًا، وموسيقى — كانت دائمًا مهددة بمحاولات الطمس والإنكار. ومن هنا برزت أهمية التاريخ كحارس لهذه الهوية، ووسيلة لإعادة الاعتبار لها. ويتم توظيف التاريخ ثقافيًا عبر:
1. إحياء الرموز الأدبية والفكرية مثل أحمدي خاني، وملا جزيري، واستحضار دورهم في تثبيت اللغة والثقافة الكوردية.
2. توثيق التراث الشفاهي من قصص وملاحم وأغاني شعبية، باعتبارها ذاكرة حيّة تعبّر عن روح الشعب الكوردي وتاريخه.
3. ترسيخ اللغة الكوردية التي تعدّ العمود الفقري للهوية الثقافية، عبر دعم الدراسات اللغوية وتطوير مناهج تعليمية مبنية على أسس تاريخية.
4. تعزيز الإنتاج الثقافي الحديث بالاستناد إلى الإرث التاريخي، ليصبح التاريخ مصدر إلهام للإبداع لا مجرد مادة للقراءة.
رابعًا: التاريخ كركيزة للوعي القومي الكوردي
القومية الكوردية ليست مفهومًا سياسيًا جامدًا، بل هي شعور عميق متجذّر في مسار طويل من الكفاح. ومن هنا يأتي التاريخ ليعطي هذا الشعور بعده الواقعي والشرعي. ويتجلى دوره القومي عبر:
1. تثبيت فكرة الشعب الواحد رغم الحدود السياسية، بالاستناد إلى التاريخ المشترك الذي سبق قيام الدول الحديثة.
2. تعزيز المطالب القومية عبر سرد موحّد للمظالم التاريخية والنضالات المشتركة.
3. بناء مشروع قومي واعٍ ينطلق من قراءة نقدية للماضي، بدلًا من استنساخ الأخطاء أو الارتهان للسرديات العاطفية.
4. خلق رؤية مستقبلية تستلهم التجارب التاريخية، وتستند إلى قيم التعددية والعدالة التي ميزت التجربة الكوردية عبر العصور.
إن توظيف التاريخ في خدمة القضية الكوردية سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وقوميًا هو مشروع شامل يتطلب رؤية علمية وخطابًا رصينًا. فالتاريخ ليس مجرد رواية للماضي، بل هو مصدر قوة يمكن أن يُسهم في توجيه الحاضر وصناعة المستقبل. ومن خلال قراءة واعية ومتوازنة للتاريخ، يستطيع الكورد تعزيز حضورهم على الساحة الإقليمية، ودعم مطالبهم القومية المشروعة، وبناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات بثقة ووعي.