مجلس القضاء الأعلى يخالف الدستور ويأمر بتكميم الأفواه

عرفان الداوودي

طلب مجلس القضاء الأعلى بكتابه المرقم (1223/مكتب/2025) في 26/11/2025 من رئاسة الإدعاء العام بضرورة ممارسة الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 ، (من خلال تحريك الدعوى الجزائية بحق كل من يقوم بالتحريض أو الترويج لإسقاط النظام السياسي أو المساس بشرعيته ، عبر وسائل الإعلام أو المنصات الإلكترونية) ، ولدى الرجوع الى قانون الإدعاء العام وجدنا أن الصلاحيات محصورة في المادة (5) التي نصت على ما يأتي :
(المادة 5
يتولى الادعاء العام المهام الاتية:
اولا: إقامة الدعوى بالحق العام وقضايا الفساد المالي والإداري ومتابعتها استناداً الى قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (٢٣) لسنة ١٩٧١ المعدل.)
التشريع العراقــي قـد عـد التحريض على الجريمـــة وسيلة من وسائل المساهمة التبعية)إلا أنـــه قـــد خــرج عن هذه القاعدة، وعد التحريض جريمة مستقلة يعاقب عليهـا ولــو لــم يترتب عليها أثــر بموجب نماذج قانونية مستقلة وردت في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل ، وأخـــرى فــــي بعض القوانين الخاصة (المكملة) ، إذ نص في المادة (170) منه على ( يعاقب بالسجن مــده لا تزيد على عشــر سنين من حرض على ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليهـا فـي المـواد من 156 الى 169 ولو لم يترتب على التحريض أثر ) وهي الجرائم الخاصة بأمن الدولة الخارجي، أي أن المشرع حدد الجرائم التي أراد أن يعاقب شخص المحرض على تحريضه إذا ما انصـــب على تلك الجرائم وأن لم يترتب على التحريض أثر بسبب خطورة فعـــل المحرض ومساسه بالمصالح المحمية الماسة بأمن الدولة الخارجي ، وورد فــــي المادة (198/أ/1و2) التي نصت بعقوبة السجن مدة تزيد على عشر سنين إذ حدد بها المشرع العراقي الجرائم المعاقب عليها وأن لم يترتب على التحريض اثر بالمواد من (190 الی 197) والمعروفة بجرائم أمـــــن الدولة الداخلي ، وكذلك على التحريض دون النظر الى تحقق النتيجة الجرمية في الشطر الأخير من الفقرة (2) من المادة (200) ، وأن الأصل في النشاط التحريضي أن يكون شخصياً أي موجهاً الى شخص أو اشخاص معينين إلا أن ذلك لا يمنع أن يوجه هذا النشاط التحريضي الى جمهــور مــن النـاس وبذلك يكون تحريضاً عاماً ، اذا ما تم بإحدى طرائق العلانية ، وهـذا مـا نـص عليـه فـــي المــادة (212) ولـو لـم يترتب على التحريض نتيجة مادية ، هذه المواد تنطبق على السلطة الحاكمة وأذرعها المسلحة خارج نطاق القوات المسلحة ، تنطبق على من قام بالإعتداء على بناية جريدة الوقائع العراقية وعلى من قصف حقل كورمور الغازي ومن دمر الرادار في معسكر التاجي ومن إعتدى أربيل والقواعد العسكرية وغيرها من الأمثلة كثير ، ولم نجد أن مجلس القضاء الأعلى طلب من الإدعاء العام ممارسة صلاحياته وتحريك الدعوى الجزائية بحق الجناة .
نصت الفقرة (ب) من المادة (2/اولاً) من الدستور على : (لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية ) ونصت الفقرة(ج) منها على (لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور) ، ونصت المادة (6) منه على : (يتم تداول السلطة سلمياً ، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور) اما المواد (37-39) من الدستور الحريات الأساسية للفرد ، كما نصت المادة (42) منه على حرية الفكر والضمير والعقيدة ، أما المادة (46) منه فنصت على : (لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها الا بقانون أو بناء عليه ، على ان لا يمس ذلك التحديد والتقييد حوهر الحق أو الحرية ) ، هذا في التشريع الوطني أما في تشريعات حقوق الإنسان الدولية فقد جاء في الإعلان العالمي لجقوق الإنسان فقد نص على ما يأتي :
(المادة 18
لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده.
المادة 19
لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.
المادة 20
1. لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية.
2. لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما.
المادة 30
ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على تخويل أية دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في القيام بأي نشاط أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه.)
وأما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فنص على ما يأتي :
(المادة 2
1. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية.
المادة 5
1. ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على حق لأي دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف إلى إهدار أي من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه.
2. لا يقبل فرض أي قيد أو أي تضييق على أي من حقوق الإنسان الأساسية المعترف أو النافذة في أي بلد تطبيقا لقوانين أو اتفاقيات أو أنظمة أو أعراف، بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كون اعترفه بها في أضيق مدى.
(المادة 18
1. لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة.
2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره.
3. لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
4. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة.
المادة 19
1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.)
وإذ أن العراق طرف في الإتفاقيتين الدوليتين أعلاه فإنه مُلزم بتطبيق أحكامها وعدم مخالفتها ، مما تقدم يتبين لنا أن كتاب مجلس القضاء الأعلى المشار اليه أعلاه يخالف القانون الوطني والدولي بسبب :
أولاً – أنه كتاب وليس بقانون ولا يجوز تقييد الحقوق والحريات الأساسية بموجبه .
ثانياً – أن أية دعوة أو تحريض أو ترويج الى التغيير إذا كانت بالطرق السلمية فهي حق من حقوق الإنسان وحريته الأساسية .
ثالثاً – أن الكتاب خالف أحكام الدستور كما بينا أعلاه .
رابعاً – إن الكتاب خالف الإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي العراق طرف فيها وملزم بإنفاذها ولا يجوز تقييد الحقوق والحريات الأساسية للإنسان إلا بقانون ، على وفق الدستور وإلتزمات العراق الدولية
ندعو المحكمة الإتحادية الى التدخل وإلغاء الكتاب المذكور لعدم دستوريته ومخالفته لإلتزامات العراق الدولية ، ولنرفع جميعا شعار لآ لتقييد الحقوق والحريات الأساسية ، لا لتكميم الأفواه .

قد يعجبك ايضا