اركان حميد
يتجه العديد من اللاعبين، فور اعتزالهم كرة القدم، إلى عالم التدريب، مستندين إلى ما اكتسبوه من خبرات تكتيكية واحترافية في الأندية الكبرى التي لعبوا لها. وغالباً ما يحقق هؤلاء اللاعبون نجاحاً سريعاً عند إشرافهم على فرق محلية في بلدانهم، إذ يعتمدون على روح الشباب، والطموح العالي، وغياب الضغوط الجماهيرية والإدارية. وبفضل هذه البيئة المريحة، يتمكنون من بناء فريق قوي ومتماسك يحقق نتائج متقدمة، الأمر الذي يجعل الأنظار تتجه نحوهم سريعاً.
ومع بروزهم، تبدأ العروض تنهال عليهم، خصوصاً من الأندية الكبيرة التي تبحث عن مدرب صاعد قاد فريقاً متواضعاً محلياً وحقّق معه قفزة نوعية. وهنا بالتحديد تبدأ الطامة الكبرى… فالمدرب الشاب يتوهم أحياناً أنه أصبح “قبطاناً ماهراً” قادرًا على قيادة أي سفينة، مهما كان حجمها، إلى برّ الأمان. وهذا الاعتقاد هو أول خطوة نحو سقوط محتمل قد يطيح بمستقبله التدريبي، بل وقد يسيء أيضاً إلى إرثه كلاعب سابق في نادٍ عريق.
فالعمل مع الأندية الكبرى—من حجم ريال مدريد، برشلونة، بايرن ميونخ وغيرها—ليس مجرد وظيفة تدريبية عادية؛ بل هو منظومة كاملة تتطلب عقلية مختلفة تماماً. هذه الفرق لا تنافس على بطولة أو اثنتين، بل على خمس بطولات أو أكثر في الموسم الواحد… محلية، قارية، وحتى عالمية. وبالتالي، فإن الضغوط الهائلة، واتساع حجم التطلعات، وتركيبة النجوم في الفريق، كلها عوامل تجعل من التدريب في هذه البيئة مهمة بالغة التعقيد.
المدرب الشاب الذي تألق محلياً يجد نفسه فجأة أمام لاعبين محترفين يحمل كلٌّ منهم لقب “نجم”، وربما يفتقر بعضهم إلى الروح القتالية التي وجدها سابقاً لدى لاعبي الفرق المحلية. كما يتعامل مع جماهير لا تقبل بالوصافة، وإدارة تعتبر التعادل في مباراة معينة فشلاً ذريعاً.
لذلك، لا يكفي أن يمتلك المدرب التكتيك الجيد فقط، بل يحتاج إلى خبرة عميقة في إدارة اللاعبين، وتوزيع جهودهم عبر الموسم، واختيار التشكيلة المناسبة لكل مباراة بحسب قوتها وأهميتها. فالفريق الكبير ليس مجرد نسخة مطورة من الفريق المحلي؛ إنه كيان ضخم يتطلب عقلاً بحجمه.
النجاحات التي تحققت مع بعض المدربين القلائل الذين قفزوا مباشرة إلى هذه الأندية كانت في كثير منها “ضربة حظ”، أكثر مما كانت نتيجة تخطيط مستدام أو تجربة تراكمية. فالعلم الحديث في كرة القدم يؤكد أن الطريق الطبيعي للمدرب يبدأ من المراحل الأدنى، مروراً بتجارب قوية ومتنوعة، قبل أن يتجرأ على قيادة سفينة بحجم ريال مدريد أو برشلونة. وما حدث مع تشافي ألونسو، أو تشافي هيرنانديز في برشلونة، خير مثال على ذلك.
من هنا نستنتج : النجاح مع فريق محلي لا يعني بالضرورة النجاح مع فريق عالمي. فالعقلية، والضغوط، وطبيعة العمل، وحجم المسؤولية… جميعها تختلف جذرياً. وعلى المدرب الشاب أن يدرك أن الصعود السريع قد يكون مغامرة جانحة، وأن الخبرة المتراكمة هي وحدها التي تؤهله يوماً ما لقيادة الأندية العملاقة بثقة وثبات.