العشيرة الكوردية:قراءة في العصبية و الدولة وفق منظور ابن خلدون

أ.د.خليل مصطفى عثمان
استاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر

ليس ابن خلدون مجرد مؤرخ دوّن أخبار الأمم، بل هو مفكر أسّس لمنهج نقدي عميق في فهم الاجتماع البشري، حين جعل من العصبية المفتاح الأهم في تفسير نشوء الدول، واتساعها، ثم أفولها. ومن بين المجتمعات التي يمكن إسقاط هذا التحليل عليها بدقة لافتة، يبرز المجتمع الكوردي، حيث لعبت العشيرة دورًا محوريًا في التاريخ والسياسة .
يرى ابن خلدون أن الدولة لا تقوم إلا بعصبية قوية، أي بروابط تضامن صارمة قادرة على فرض النفوذ والدفاع عن الجماعة. وهذا الوصف ينطبق بدقة على العشيرة الكوردية تاريخيًا؛ إذ لم تكن العشيرة مجرد رابطة دم، بل كانت:

* نظام حماية وأمن
* إطارًا اقتصاديًا
* بنية سياسية بديلة عن الدولة
* ووعاءً للهوية والانتماء

في ظل الجغرافيا الجبلية القاسية، وضعف الدولة المركزية عبر قرون طويلة، تحولت العشيرة إلى الدولة المصغّرة التي تدير شؤون الحرب والسلم، وتوفّر الحماية والموارد، وتحفظ التوازن الداخلي.
لقد نشأت معظم الإمارات الكوردية التاريخية على أساس عصبية عشائرية قوية، تمامًا كما وصف ابن خلدون نشأة الدول في أطراف العمران. كانت العصبية في هذه المرحلة:

* مصدر قوة
* أداة توحيد
* ورافعة سياسية لمواجهة القوى المحيطة

غير أن ما يسجله ابن خلدون بعمق هو أن العصبية، حين تبلغ ذروة قوتها، تبدأ في التحول من أداة بناء إلى عامل صراع، عندما تدخل في طور التنافس الداخلي، ويحلّ الولاء الشخصي والعشائري محل الولاء العام.
في التجربة الكوردية، لم تكن العصبية العشائرية دائمًا عنصر خلاص، بل كانت في أوقات كثيرة سببًا مباشرًا في تعطيل مشروع الدولة الكوردية الحديثة.
فقد تحولت أحيانًا إلى:

* أداة صراع داخلي
* بنية مغلقة أمام التحديث
* وسلطة تنافس سلطة الدولة بدل أن تندمج فيها

وهنا تتجلى عبقرية ابن خلدون حين يقرر أن العصبية إذا لم تتحول إلى مؤسسات وقانون ودولة فإنها تبقى قوة عمياء، قابلة للانفجار عند أول تنازع على الغنيمة أو النفوذ.
لا يمكن إنكار أن العشيرة الكوردية حفظت الهوية في أحلك الظروف، وحمت اللغة والثقافة والأرض، حين غابت الدولة. لكنها في المقابل:

* أعاقت تشكّل الوعي الوطني الجامع أحيانًا
* ورسّخت الولاءات الجزئية
* وأسهمت في تكرار الانقسام السياسي بصيغ اجتماعية قديمة

وهو ما يجعل سؤال ابن خلدون حاضرًا بقوة في الواقع الكوردي المعاصر:
هل تبقى العصبية وسيلة دفاع تاريخية، أم تتحول إلى عائق أمام قيام الدولة الحديثة؟
تكمن عظمة ابن خلدون في أن أدواته التحليلية لا تزال صالحة اليوم:

* في تفسير تقدّم الولاء العشائري على الولاء الوطني
* وفي فهم تعثّر المشروع الكوردي رغم توفر الأرض والتاريخ
* وفي تشخيص الصراع بين منطق الدولة ومنطق العشيرة

وهذا ما يجعل الفكر الخلدوني ليس مجرد تراث، بل أداة نقد راهنة لفهم أزمات المجتمعات التي لم تعبر بعد من منطق العصبية إلى منطق الدولة.
إن قراءة العشيرة الكوردية بعين ابن خلدون لا تعني شيطنتها، ولا تمجيدها، بل وضعها في حجمها الحقيقي:
قوة اجتماعية كبرى، لكنها ليست بديلًا عن الدولة، ولا عن المواطنة، ولا عن العقد السياسي الحديث.

وكما سبق ابن خلدون مكيافلي في نقد التاريخ والسلطة، فإنه يسبق كثيرًا من مفكرينا المعاصرين في تشخيص المأزق العميق الذي تعيشه المجتمعات الواقفة بين العصبية والدولة، وبين الهوية التقليدية والمواطنة الحديثة.
هنا، يعود ابن خلدون، بعد ستة قرون، لا بوصفه مؤرخًا من الماضي، بل شاهدًا حيًا على حاضرنا السياسي،حين قال إن “الدولة لا تقوم إلا بعصبية”، لم يكن يبرر سلطة القبيلة، بل كان يشرح قانون النشوء. لكن المفارقة تبدأ حين تتحول العصبية من وقود تأسيس إلى عائق بناء. وهذا بالضبط هو الامتحان الذي يواجهه المجتمع الكوردي اليوم: هل تبقى العشيرة وسيلة حماية في زمن الخطر؟ أم تتحول إلى سقفٍ يمنع اكتمال الدولة؟

لقد أنقذت العشيرة الكوردية المجتمع في زمن غياب الدولة، وحفظت الأرض واللغة والكرامة، وقادت المقاومة في وجه الغزاة والطغاة. لكن التاريخ نفسه يقول إن ما يحمي في مرحلة، قد يعطل في مرحلة أخرى. فالعشيرة، حين تدخل السياسة، لا تدخل بمنطق البرامج، بل بمنطق الولاءات. ولا تتحرك باسم القانون، بل باسم الانتماء.

هنا بالتحديد يتقاطع الواقع الكوردي مع تحذير ابن خلدون: الدولة لا تسقط فقط من الخارج، بل من الداخل أيضًا، حين تتصارع العصبيات داخلها، وتتحول السلطة إلى غنيمة، والمؤسسات إلى واجهات.

ليس السؤال اليوم: هل العشيرة قوية؟ فهي قوية أصلًا. السؤال الحقيقي: هل تتحول هذه القوة إلى دولة، أم تبقى دولة داخل الدولة؟
لسنا بحاجة إلى استنساخ ابن خلدون، بل إلى فهمه. فهو لم يكن عدوًا للعصبية، لكنه كان شاهدًا على لحظة تحولها إلى عائق. وهذه هي لحظتنا اليوم: إما أن تعبر كوردستان من العصبية إلى الدولة، أو تبقى عالقة في المنطقة الرمادية بينهما.
إن بناء الدولة لا يعني كسر العشيرة، بل تحريرها من دورها السياسي، وإعادتها إلى فضائها الاجتماعي الطبيعي، تحت سقف قانون واحد، ومواطنة واحدة، وسلطة لا تُنتَزع بالعصبية بل تُمنَح بالانتخاب.
هكذا فقط تنتصر الدولة.
وهكذا فقط يُطوى زمن العصبية السياسية، دون أن يُكسَر التاريخ الاجتماعي.

قد يعجبك ايضا