أ.د.خليل مصطفى عثمان
استاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر
لم تعد جريمة الإبادة الجماعية (جينوسايد الكورد) حدثاً تاريخياً عابراً يُستعاد في مناسبات الذكرى فقط، بل تحولت إلى جرحٍ مفتوح في الضمير العراقي المعاصر، وامتحانٍ دائم لصدقية الدولة في حماية مواطنيها. فالأنفال، وحلبجة، والمقابر الجماعية، وحملات التهجير القسري، ليست مجرد صفحات سوداء من الماضي، بل إنذارات مستمرة بأن ما لم يُؤمَّن دستورياً وقانونياً وثقافياً، يبقى قابلاً للتكرار بأشكال جديدة.
من هنا يبرز السؤال الأخطر: كيف يمكن للعراق أن يمنع إعادة إنتاج جينوسايد جديد بحق الكورد؟
أولى ضمانات عدم تكرار الإبادة تبدأ من تحصين الحقوق القومية الكوردية دستورياً بشكل فعلي لا شكلي، باعتبارها حقوقاً أصيلة لا تخضع للمساومات السياسية. ويتطلب ذلك:
* تكريس مبدأ الشراكة الحقيقية في الحكم.
* منع أي تشريع ينطوي على تمييز قومي مباشر أو مقنّع.
* تفعيل دور المحكمة الاتحادية بوصفها حامية للتوازن الوطني، لا أداة تأويل سياسي.
الاعتراف السياسي بجرائم الأنفال لا يكفي ما لم يُترجم إلى منظومة قانونية صارمة تشمل:
* تصنيف الأنفال كـ جريمة إبادة جماعية لا تسقط بالتقادم.
* تشريع قوانين تُجرّم إنكار الجينوسايد أو تبريره أو التهوين منه.
* تشديد العقوبات بحق كل خطاب يحرض على الكراهية القومية.
فالإنكار ليس مجرد رأي، بل هو المرحلة التمهيدية لكل إبادة جديدة.
من أخطر دروس الجينوسايد أن الجريمة لم تُرتكب من خارج الدولة، بل من داخل مؤسساتها. لذلك فإن منع تكرار الإبادة يمر عبر:
* بناء عقيدة عسكرية وطنية غير مؤدلجة.
* إخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لرقابة برلمانية وقضائية صارمة.
* منع تسييس المؤسسة العسكرية أو زجّها في الصراعات القومية والطائفية.
فالجيش حين يفقد حياده، يتحول من حامٍ للوطن إلى خطر عليه
كما لا يمكن الحديث عن ضمان عدم التكرار من دون عدالة انتقالية حقيقيةتقوم على:
* كشف الحقيقة كاملة دون انتقائية.
* محاسبة الجناة مهما كانت مناصبهم السابقة.
* تعويض الضحايا مادياً ومعنوياً.
* إعادة الاعتبار القانوني والاجتماعي للمناطق المنكوبة.
فالمصالحة التي لا تمر عبر العدالة، ليست سوى هدنة مؤقتة فوق جراح مفتوحة.
ومن جانب اخر فان التعليم هو السلاح الأعمق في مواجهة تكرار الجينوسايد، من خلال:
* إدخال جرائم الأنفال وحلبجة في المناهج الدراسية العراقية.
* ترسيخ ثقافة التعدد القومي والديني.
* تفكيك الصور النمطية التي تُغذّي الكراهية في الوعي الجمعي.
فالطفل الذي يُربّى على شيطنة الآخر، يُعاد إنتاجه لاحقاً كأداة عنف.
الإعلام شريك مباشر في منع الإبادة أو التمهيد لها، لذلك لا بد من:
* مراقبة خطاب الكراهية والتحريض القومي.
* محاسبة المنابر التي تروّج للإقصاء والتخوين.
* دعم الإعلام المهني الذي يعزز خطاب المواطنة لا الانقسام.
فالتحريض لا يقتل فوراً، لكنه يدرّب الوعي على قبول القتل.
ان التجربة التاريخية للكورد تفرض الحاجة إلى:
* تفعيل الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الإبادة.
* ربط أي انتهاك جسيم بحقوقهم بآليات مساءلة دولية.
* إشراك المنظمات الدولية في مراقبة حقوق الإنسان في المناطق الحساسة.
إن منع تكرار جينوسايد الكورد في العراق لا يتحقق بالشعارات ولا بالمجاملات السياسية، بل عبر:
* دولة قانون لا دولة مكونات.
* جيش وطني لا مؤدلج.
* تعليم يعالج جذور الكراهية.
* إعلام مسؤول.
* وعدالة لا انتقائية.
فالإبادة لا تبدأ بالمجازر…
بل تبدأ حين يُسكت صوت القانون، وتعلو لغة الحقد.
إن دماء ضحايا الأنفال وحلبجة ليست مجرد ذكرى، بل وصية وطنية ثقيلة:
إما أن نبني دولة تحمي الجميع بلا استثناء، أو نترك الباب مفتوحاً لعودة الجريمة بوجوه جديدة وأدوات مختلفة.
فالدول التي لا تتعلم من الإبادة…
محكومٌ عليها أن تراها تتكرر