سوريا على حافة الهاوية.. مشروع إذلال شامل و تمهيد لحرب ضد شمال شرق سوريا

خوشناف سليمان

على مدار الساعة، تتعرض شمال شرق سوريا لتهديدات متصاعدة و تحضيرات عسكرية تشارك فيها مجموعات تابعة لحكومة دمشق. يقودها أشخاص من طراز أبو عمشة و بعض شيوخ العشائر المقرّبين من السلطة. ما يجري اليوم ليس مجرد توتر عابر. بل إعادة إنتاج لأشد الصفحات ظلمة في تاريخنا الحديث في لحظة تُقاد فيها البلاد نحو صدام مذهبي مفتوح. بغطاء رسمي و بخطاب يحضّ على الكراهية. و يزرع الرعب. و يمهّد لخرائط جديدة تُبنى فوق أنقاض كل ما تبقى من الدولة.
في وضح النهار تُرفع شعارات تبرّر العنف و تُمنح الفتاوى التي تُحلّل انتشار كل أشكال التطرّف و التنظيمات المتشددة. بينما تُنفَّذ ليلاً اعتداءات تستهدف مكوّنات غير سنية. في محاولة لإبقاء الخوف سيد الموقف. و كأن المطلوب هو إشعال حرب مذهبية دائمة. تُدار كوكلاء عن مصالح دولية تريد للصراع أن يطول بلا نهاية.
في المقابل. تطالب جميع المكوّنات السورية بدولة ديمقراطية لامركزية. بدستور يحمي الجميع و يضمن المساواة و الكرامة و يعيد للوطن معناه. غير أنّ الحكومة تواصل العمل بذهنية غارقة في الماضي. تُعيد إنتاج أسوأ ما عرفته المنطقة في الحقبات المظلمة. حيث تُلغى فكرة الوطن لصالح الولاء لشخص أو زعيم أو شيخ. و يُعاد السوريون إلى معادلة الطاعة و الانصياع.
سوريا ليست ساحة لتصفية الحسابات المذهبية. و لا فضاء تُدار فيه الفتاوى كأنها أوامر عسكرية. سوريا وطن أوسع من كل هذه اللعنات. و لن تُبنى إلا عبر الحرية و كرامة جميع أبنائها . بلا استثناء.
مشروع الإذلال .. من القمع إلى كسر الكرامات
ما يجري اليوم لم يعد مجرد قمع سياسي أو أمني. لقد تحوّل إلى مشروع إذلال كامل يستهدف كل السوريين. من دون استثناء. لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث. نرى سلطات تجبر أبناء طوائف بأكملها على القيام بممارسات مهينة. تبث مباشرة على الهواء. فقط لإظهار الخضوع.
تُساق مجموعات من السوريين إلى مشاهد مذلة ..
يُجبر البعض على الهتاف و الصراخ بطرق لا تليق بكرامة إنسان. و تُهان رموزهم الاجتماعية. و تُكسَر تقاليدهم. و تُنتزع هيبتهم. لإرسال رسالة واحدة:
/ لا كرامة لكم خارج طاعة السلطة./
العلويون. الدروز. الإسماعيليون. المسيحيون. الكورد. السنة.
الجميع يُستهدف بالأسلوب ذاته.
إخضاع. إذلال. و تحويل الإهانة إلى طقس من طقوس الولاء.
حتى الرموز البسيطة التي كانت تحمل معنى للكرامة . مثل الشوارب التي تمثل الهيبة في ثقافة الكثيرين . باتت تنتزع في الشوارع. بأدوات رخيصة. لإعلان أن لا قيمة لأي فرد إلا بما تقرره السلطة.
هذه الممارسات ليست سياسات دولة. بل آلة كسر ممنهجة. تهدف إلى خلق بيئة تُدار بالذعر. و تُخنق فيها الإرادة الفردية و الجماعية. حتى يصبح المواطن مجرد تابع لا يملك سوى ترديد ما يُطلب منه.
ومع هذا الإذلال العام. يجري العمل بالتوازي على رسم سوريا جديدة. ليست دولة. بل إمارات مذهبية متصارعة تُدار بخطاب كراهية. و تُمنح فتاوى تشرعن العنف. و تُبرّر وجود أخطر التنظيمات المتطرفة. في إطار مشروع كبير لصناعة إمبراطورية مذهبية جديدة تُبنى فوق جثة الوطن.
شمال شرق سوريا في عين العاصفة
وسط كل هذا. تتعرض شمال شرق سوريا اليوم لتهديد مباشر. تستخدم فيه السلطة أساليب الترهيب و الدعاية المذهبية. وتستعين بأمراء حرب وزعامات عشائرية صُنعت لتعويض فشل الدولة. الهدف ليس / إعادة السيطرة / كما يُروَّج. بل إخضاع منطقة كاملة اختارت نموذجاً مختلفاً يقوم على الإدارة المدنية و الاعتراف بالتعددية.
إنّ استهداف الكورد و العرب والسريان في تلك المنطقة ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج الخوف القديم. و تدمير أي نموذج بديل يمكن أن يقود السوريين نحو دولة أكثر عدلاً.
بين مشروع السلطة و مشروع الشعب
حكومة دمشق تريد:
– حرباً مذهبية أبدية.
– وطناً بلا مواطنين.
– شعباً منزوع الإرادة. خاضعاً. خائفاً. بلا كرامة.
لكن المكونات السورية كافة تريد شيئاً آخر تمامًا:
– دولة ديمقراطية لا مركزية.
– دستور يضمن الحقوق المتساوية.
– نظاماً سياسياً يعيد للإنسان كرامته. و للوطن معناه.
لن تمحى فكرة الوطن
اليوم. أمام سوريا جميعها . و أمام شمال شرقها على وجه الخصوص . لحظة شديدة الخطورة. إمّا نسمح بمشروع الإذلال أن يبتلع ما تبقى من البلاد. أو نقف معاً كي لا تتحول سوريا إلى حقول نفوذ مذهبية يقودها أمراء حرب و شيوخ مدفوعون بخطابات ظلامية.
نقولها بوضوح:
لن تُمحى فكرة الوطن.
لن يعود السوريون عبيداً في تكية / أمير أو شيخ / أو أي سلطة تستخدم الدين لتبرير الظلم.
و سوريا التي نؤمن بها ستولد رغم كل شيء:
بوطن لا يُهان فيه إنسان و لا يُكسر فيه أحد. و بكرامة تتقاسمها جميع مكوّناتها دون خوف.

قد يعجبك ايضا