كوردستان حم للتآخي: المبادرات الشبابية تصنع المستقبل

 

حاورها: إدريس سالم

 

في ظل التحوّلات البنيوية التي يعيشها الواقع السياسي الكوردي، يبرز جيل جديد من الشابات والشبان، مطالبين بموقعهم، بوصفهم  فاعلين يسعون بوعي عال إلى إعادة تشكيل الخطاب السياسي، وتحديث أدوات العمل التنظيمي، بما يتماشى مع متطلبات المجتمع وتحديات اللحظة التاريخية.

لقد أثبت الشباب الكورد أنهم كتلة طموحة تمتلك رؤى واقعية، وتسعى لإنتاج فعل سياسي مختلف، يستند إلى المبادرة، والانفتاح، والتجديد، دون القطيعة مع التجربة السابقة، وأيضاً بوعي نقدي، يحترم الماضي دون أن يكرّس عوائقه.

نفتح هنا نافذة حوار مع إحدى القيادات الشابة في تيار الحرية الكوردستاني، للوقوف على موقع الشباب داخل التيارات السياسية، والمعوّقات التي تحول دون مشاركتهم الكاملة، وكيف يمكن للمبادرات الشبابية، أن تتحوّل من هوامش رمزية إلى مراكز تأثير فعلي. ليكون هذا الحوار دعوة لإعادة التفكير في سؤال جوهري: كيف نمنح الشباب ما يكفي من المساحة، ليكونوا شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل كوردستان؟

 

1 – ما الدور الحقيقي الذي تلعبه القيادات الشابة داخل تيار الحرية الكوردستاني، من حيث المشاركة في صنع القرار والتجديد الفكري والسياسي؟ وهل يمتلك الشباب أدوات مستقلة للتأثير؟ وكيف تنظرون كجيل شاب إلى المستقبل، وإمكانية انتقال القيادة من الجيل المؤسّس إلى الجيل الجديد؟

إن القيادات الشابة في تيار الحرية الكوردستاني لم تعد ديكوراً تنظيمياً، وإنما أصبحت طرفاً فاعلاً في التخطيط وصناعة القرار. نحن لم نعد نكتفي بالعمل القاعدي، فالقضية أصبحت تشاركية في صياغة الرؤية وتقييم السياسات والانخراط في النقاشات الإستراتيجية. فخطابنا يختلف عن الجيل السياسي الأقدم؛ فهو أقرب للناس، عملي وحديث، ويرتبط بقضاياهم اليومية، دون إلغاء دور التجربة والتاريخ التي نحترمها ونتعلم منها.

يوفر التيار مساحة فعلية للتجديد، حيث نطرح أفكارنا بحرية ونشارك بفاعلية في توجيه السياسات. إلى جانب أننا نمتلك أدوات أولية للتأثير، تشمل المبادرات، وورش العمل، والمنصات الإعلامية الناشئة، ونعمل على تطويرها ضمن إطار مؤسساتي.

القيادة العليا تتفاعل مع هذه المبادرات بدعم منضبط، يضمن التنسيق العام ويعزز دور الشباب. لأن رؤيتنا للمستقبل تقوم على بناء حركة أكثر انفتاحاً والتصاقاً بالناس، بخطاب عصري وأدوات جديدة تعزّز حضور التيار مجتمعياً. كما نؤمن بانتقال سلس ومسؤول للقيادة، يقوم على الدمج بين الخبرة التقليدية والطاقة الشبابية، لا على الصراع أو التنافس.

 

2 – لماذا، برأيكِ، لم تُطلق القيادات الكلاسيكية مبادرات أو ورش تدريب سياسية تُخرّج قيادات شابة؟ وهل هذا الغياب ناتج عن إهمال متعمد أم غياب إستراتيجية واضحة؟

أعتقد أن غياب المبادرات والورش التدريبية في المرحلة السابقة لا يعود إلى إهمال متعمد، بقدر ما يعكس طبيعة المرحلة، التي عملت فيها القيادات الكلاسيكية، الجيل القديم عمل ضمن ظروف صعبة – أمنية وسياسية – وكانت الأولوية فيها للبقاء والصمود أكثر من البناء المؤسسي أو اتخاذ كوادر بشكل منهجي. لذلك لم تشكل عندهم ثقافة التدريب السياسي كما نعرفها اليوم، لكن هذا لا يعني أن هناك خوفاً من صعود الشباب أو رغبة في إقصائهم، ما كان مفقوداً هو الإستراتيجية الواضحة لتأهيل جيل جيد وليس الإرادة. اليوم نحن كجيل شاب نُدخل هذا المفهوم بقوة إلى التيار.

 

3 – كيف تصفين حضور القيادات الشابة اليوم في المشهد السياسي الكوردي؟ أيمكن القول إن هناك وجوداً فعلياً ومؤثراً، أم أن الحضور لا يزال رمزياً وشكلياً؟

حضور القيادات الشابة في المشهد السياسي الكوردي، اليوم موجود لكنه غير مكتمل، فهناك طاقات شبابية، بدأت تظهر وتتحرك وتقدم مبادرات مؤثرة، لكن هذا الحضور ما زال في أغلبه محكوماً بسقوف تنظيمية تجعله أقرب إلى الدور الرمزي منه إلى التأثير الكامل، ومع ذلك فإن مؤسسات التغيير قائمة والشباب باتوا يفرضون حضورهم تدريجياً، لأن المرحلة نفسها باتت تتطلب دورهم الفعلي.

 

 

 4 – ما الأسباب الجوهرية التي أدّت، برأيك، إلى تهميش الشباب الكوردي سياسياً، رغم أدوارهم البارزة في المجتمع وعلى مستوى الحراك المدني؟

أرى أن تهميش الشباب الكوردي سياسياً يعود إلى مجموعة أسباب جوهرية، أبرزها هيمنة البُنى التقليدية داخل الأحزاب، وغياب الإرادة الحقيقية لإفساح المجال أمام جيل جديد بوعي مختلف. يضاف إلى ذلك الخوف من التغيير داخل المؤسسات، واعتماد آليات عمل لا تستوعب المبادرات الشبابية, فضلاً عن ضعف القنوات التنظيمية التي تربط الشباب بالقرار، رغم حضورهم القوي في المجتمع والحراك المدني. وبالتالي, المشكلة تكمن في البيئة السياسية التي لم تتكيّف بعد مع دورهم الطبيعي.

 

5 – حدثينا عن أبرز العوائق التي تواجه الشابات والشبان الكورد في محاولاتهم للانخراط في الحياة السياسية. وإلى أي مدى يُعد العامل الاقتصادي والاجتماعي سبباً في عزوف الشباب عن السياسة؟

أبرز العوائق التي تواجه الشباب الكورد في محاولاتهم للانخراط في الحياة السياسية متعددة، منها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فكثير من الشباب مضطر للعمل أو متابعة الدراسة، لتأمين معيشتهم ومستقبلهم، ما يحد من الوقت والطاقة المخصصة للنشاط السياسي، كما أن الالتزامات العائلية والاجتماعية تقلل من فرص المشاركة الفعالة. هنالك أيضاً غياب الخبرة والتدريب، عدم وجود برامج تدريبية أو ورش تأهيلية تجعل من الصعب على الشباب اكتساب المهارات السياسية المطلوبة، للاندماج الفعال في المؤسسات والأحزاب.

 

 

 

6 – وهل يمكن التعامل معه عبر حلول واقعية من داخل الأحزاب أو عبر المجتمع المدني؟

الحلول الواقعية ممكنة، من خلال إنشاء برامج تدريبية داخل الأحزاب، منح مساحات للقيادات الشابة، لإطلاق المبادرات وتقديم الدعم اللوجستي، يمكننا عبر المجتمع المدني دعم المشاريع المجتمعية، إنشاء منصات شبابية للتعبير والتدريب، وربط النشاط السياسي بالخبرة العملية والتنمية المجتمعية.

والمحصلة، عندما نجمع بين دعم الأحزاب والمجتمع المدني، يمكننا أن نحوّل العقبات الاقتصادية والاجتماعية إلى فرص لمشاركة سياسية فعالة للشباب.

 

7 – كيف يمكن للشباب الكوردي أن يصنع أدواته الخاصة للتأثير في القرار السياسي، خارج الإطار الحزبي الكلاسيكي؟

يمكن للشباب الكوردي أن يصنع أدواته الخاصة للتأثير في القرار السياسي، عبر عدة مسارات خارج الإطار الحزبي الكلاسيكي:

أولاً – المبادرات المجتمعية وإطلاق مشاريع وفعاليات تعكس قضايا المجتمع مباشرة، مثل حملات التوعية، ورش العمل التفاعلية، أو المبادرات الخدمية التي تربط المجتمع بالسياسة بشكل ملموس.

ثانياً – المنصات الإعلامية المستقلة، كاستخدام الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، لإيصال الأفكار وتحليل الأحداث السياسية، وتسليط الضوء على مشاكل المجتمع، بما يخلف تأثيراً يفرض نفسه على صناع القرار.

ثالثاً – العمل البحثي والفكري، كإنتاج الدراسات، الأوراق البحثية والمقالات التي تقدم حلولاً عملية للقضايا السياسية والاجتماعية، لتكون مرجعاً يستند إليه داخل التيارات السياسية وخارجها.

بهذه الأدوات وغيرها الكثير من الحلول التي لم تُطرح، يستطيع الشباب أن يتحول من دور المتابع إلى دور المؤثر، ويصبح له وجود حقيقي على مستوى القرار حتى خارج الهياكل الحزبية التقليدية.

 

8 – ما الذي يجب تغييره داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية الكوردية لخلق بيئة تمكّن الشباب فعلياً، وتعيد إليهم الثقة بالسياسة والأحزاب؟

لتمكين الشباب داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية الكوردية، لا بد من تحديد البُنى الحزبية، وفتح مسارات حقيقية للقرار أمام الشباب، وتبني عقلية تشاركية تستوعب المبادرات الجديدة، إضافة إلى تطوير الخطاب السياسي، ليعبّر عن أولويات الجيل الجديد، ومأسسة برامج تدريب وتمكين تمنحهم دوراً ثابتاً لا شكلياً.

 

 9 – ما الرؤية التي تحملينها كقيادية شابة لمستقبل المشاركة السياسية للشباب؟ وهل هناك أمثلة إيجابية يمكن البناء عليها؟

من موقعي كقيادة شابّة أحمل رؤية واضحة لمستقبل المشاركة السياسية للشباب، تقوم على تحويل حضورهم من دور رمزي إلى دور فاعل في صناعة القرار، عبر فتح مساحات أوسع للمبادرات، وتبنّي خطاب حديث يلامس قضاياهم، وتمكينهم من الأدوات التنظيمية والإعلامية بشكل مؤسس لا ارتجالي.

ولدينا بالفعل نماذج إيجابية يمكن البناء عليها، من مجموعات شبابية استطاعت أن تطلق مبادرات مجتمعية وإعلامية مؤثرة، وصولاً إلى بعض التجارب داخل التيارات، التي منحت الشباب مساحة تجريب وتعبير. هذه الخطوات ما زالت صغيرة، لكنها تشكل أساساً يمكن تطويره إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم المؤسسي الحقيقي.

 

 10 – لو أُتيحت لك فرصة صياغة «ميثاق شبابي سياسي كوردي»، ما المبادئ الأساسية التي يجب أن يتضمنها برأيك؟

إذا أُتيح لي أن أضع «ميثاقاً شبابياً سياسياً كوردياً»، فسيرتكز على مبادئ واضحة، تُعيد للشباب ثقتهم ودورهم، في مقدّمها:

التمكين الحقيقي عبر ضمان مشاركة الشباب في مواقع القرار، لا ضمن أطر رمزية.

الشفافية والمحاسبة داخل الأحزاب والمؤسسات، باعتبارها أساس الثقة والجدية السياسية.

حرية المبادرة والتفكير دون قيود تقليدية تُفرغ العمل السياسي من روحه.

أولوية القضايا الشبابية:

التعليم, العمل، العدالة الاجتماعية، والحقوق المدنية.

رفض الاحتكار الحزبي وتشجيع التنوع والعمل المشترك بين الشباب من مختلف التيارات.

هذه المواثيق وغيرها الكثير برأيي، يجب أن يضع الشباب ليس على هامش السياسة فحسب, وإنما في قلب مشروع التغيير الكوردي.

 

11 – كيف يمكن تعزيز حضور المرأة الكوردية الشابة في صناعة القرار السياسي؟

يمكن تعزيز حضور المرأة الكوردية الشابة في صناعة القرار عبر منحها موقعها المستحق داخل الهياكل القيادية، وتوفير بيئة تنظيميّة تحمي مبادرتها وتدعم صوتها، إضافة إلى تمكينها تدريباً وتمثيلاً وصلاحيات، والتعامل معها بوصفها قوة تغيير لا بديلاً مؤقتاً. حضور المرأة الشابة يصبح واقعاً حين تُفتح الأبواب لها عن قناعة, لا عن مجاملة.

 

12 – برأيك هل هناك ضمانات فعلية ومعنوية من قادة الأحزاب في ألا يقتصر دورها على الحضور الرمزي أو الشكلي فقط؟

ما زالت الضمانات الفعلية من قادة الأحزاب محدودة، لأن الانتقال من الحضور الرمزي إلى الدور الحقيقي يحتاج إرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية لا تصريحات فقط. لكن مع ذلك، هناك مؤشّرات معنوية إيجابية لدى بعض القيادات، التي بدأت تدرك أن تهميش المرأة الشابة لم يعد خياراً، وأن مشاركتها الفاعلة أصبحت ضرورة تنظيمية وسياسية.

ومع ذلك، تبقى الضمانة الحقيقية هي في المساحات التي تُمنح على الأرض، لا في الوعود.

قد يعجبك ايضا