العراق والشرق الأوسط الجديد… بين الإرادة الداخلية وخرائط القوى الدولية

عرفان الداوودي

تبدو الدولة العراقية اليوم وكأنها تسير بثبات ــ أو بضغط ــ نحو الاندماج في ما يُسمّى بـ “الشرق الأوسط الجديد”؛ ذلك المشروع الذي لم يعد مجرّد مصطلح إعلامي، بل تحوّل إلى رؤية إستراتيجية تُعاد من خلالها هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وما يميّز هذا المشروع أنه لا يُصاغ داخل حدود الدول، بل تُرسَم خطوطه في عواصم بعيدة، وتحديدًا في واشنطن وتل أبيب، اللتين عملتا لسنوات على تطوير تصور شامل لإعادة ترتيب موازين القوى في الإقليم.

مشروع يُفرض ولا يُناقَش
المعادلة الأكثر وضوحًا اليوم هي أن هذا المشروع لا يواجه اعتراضًا حقيقيًا من أطراف دولية قادرة على تعطيله. فعندما طرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ما سماه “خطة السلام”، لم تبقَ الخطة ضمن نطاق النفوذ الأمريكي، بل نُقلت إلى مجلس الأمن الدولي وتم التعامل معها كإطار سياسي قابل للتحول إلى قرار دولي.

المفاجِئ، بل والمثير للتساؤل، هو أن روسيا والصين — اللتين طالما استخدمتا حق النقض (الفيتو) في ملفات أقل حساسية — لم تعرقلا مسار الخطة، الأمر الذي منح المشروع شرعية أممية غير مسبوقة.

وهذا الصمت الدولي لم يكن حياديًا، بل يعبّر عن اعتراف ضمني بأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط باتت مسألة وقت، لا خيار.

العراق… موقع جغرافي ضخم وإرادة سياسية هشة
وسط هذا التحول، يظهر العراق دولةً محورية من حيث الجغرافيا والثروات والديموغرافيا، لكنه في الوقت ذاته يواجه تحديًا خطيرًا: هل يملك القرار الكافي ليرسم موقعه بنفسه؟
الإشارات السياسية المتتالية، وطبيعة التحالفات، وتطورات ملفات الطاقة، والمنافذ، والحدود، وقطاع الأمن؛ كلها تؤكد أن بغداد تُدفَع أو تختار — بدرجة متفاوتة — أن تكون جزءًا من النظام الإقليمي الجديد.

إن تصميم الدولة العراقية على الاندماج في هذا المشروع يعكس إحدى حالتين:
1. إما قناعة رسمية بأن البقاء خارج دائرة النفوذ الأمريكي – الإسرائيلي سيكلّف العراق الكثير اقتصاديًا وأمنيًا.
2. أو تراجع قدرة القرار الوطني أمام ضغوط دولية تمارسها قوى كبرى لا يمكن للعراق تجاهلها.

وفي كلا الحالين، فإن موقع العراق في الشرق الأوسط الجديد لن يُمنح له، بل سيُفرض عليه إن لم يصنعه بيده.

الخيارات أمام العراق: بين الواقع والطموح

إن أخطر ما يواجه العراق ليس دخوله في مشروع الشرق الأوسط الجديد، بل دخوله دون رؤية وطنية، ودون مشروع عراقي موازٍ يحمي هويته وسيادته ومصالحه.
فالخريطة الجديدة تُرسَم، والمصالح تُعاد هيكلتها، ومن لا يملك مشروعًا يصبح جزءًا من مشروع الآخرين.

ولذلك، فإن العراق اليوم أمام ثلاثة خيارات:
1. صناعة دور مستقل داخل الترتيبات الإقليمية، مستفيدًا من ثقله التاريخي والجغرافي.
2. التكيّف السلبي مع النظام الجديد، وهو الخيار الأخطر والأكثر كلفة على المدى البعيد.
3. الدخول في حالة إنكار سياسي، وهو طريق يؤدي إلى التهميش وربما التفكك.

الخلاصة
الشرق الأوسط الجديد لم يعد صفحة نظرية أو ملفًا تفاوضيًا؛ إنه واقع يتشكّل، والقوى الكبرى تحوّله إلى منظومة متكاملة.
أما العراق، فإمّا أن يدخل هذا المشهد كدولة فاعلة تمتلك إرادة ورؤية، أو يدخل كموقع جغرافي تحدده مصالح الآخرين.
وبين الإرادة والضغوط، يبقى مصير العراق مرتبطًا بقدرته على استعادة قراره الوطني وصياغة موقعه وفق مصلحة شعبه لا وفق خرائط الآخرين.

قد يعجبك ايضا