د. ابراهيم احمد سمو
وصلتني رسالة طويلة تحمل في مضمونها تأكيدًا جازمًا بأن زمن المقالات الطويلة قد ولّى، وأن القارئ اليوم لم يعد يحتمل الكتابة الممتدة، ولا يميل إلى النصائح، ولا يجد الدافع لقراءة أكثر من بضعة أسطر. وجاء في الرسالة تساؤلات من قبيل: لماذا تكتب؟ ولِمَن تكتب؟ وهل هناك فعلًا من يقرأ كل هذا؟ بل إن بعض (الإعجابات) والتعليقات ـ كما قال صاحب الرسالة ـ تبدو بعيدة كل البعد عن موضوع المقال، إذ تكتفي بالتحية والسلام والدعاء بالصحة والعافية.
لا أنكر أنني ضحكت بصوت عالٍ وأنا جالس وحدي في ركني المعتاد داخل المكتبة، لا يسمعني أحد. وإن سمعني مارٌّ أو متصفّحٌ لكتابٍ قريب، فسيسأل بدهشة: ما سبب هذا الضحك؟ وجوابي ـ الذي سيجرّ في الغالب حديثًا آخر وسجالًا لطيفًا ـ قد يلد مقالًا جديدًا، فكل حوار صادق بيني وبين ذاتي أو بيني وبين الناس يفتح بابًا للنص والتأمل.
قلت في نفسي: ربما لم يَولِ زمن المقال الطويل تمامًا، لكنه بلا شك أصبح زمنًا يقلّ فيه الشغف بالقراءة العميقة. المدَهِش في الأمر أنّ صاحب الرسالة نفسه يؤكّد أنّ عصر الكتابة المطوّلة انتهى، بينما صورته على (فيسبوك) تُظهره ممسكًا بكتابٍ يتجاوز خمسمئة صفحة، ويُعلن بفخر أنه في صدد قراءته، بل ويحمل عنوانًا لكاتب عالمي كبير. ازدادت دهشتي حين تذكّرت أنه صرّح في أحد لقاءاته بأنه قرأ في سنة واحدة ما لا يقل عن ثلاثمئة وأربعين كتابًا! وإذا بي أراه ـ في مناسبة أخرى ـ يلقي وعظًا مطوّلًا يفوق المقالات امتدادًا، بل ويفوق المقابلات التلفزيونية الطويلة. عندها فقط أدركت أنّ المفارقة جزء من طبيعتنا البشرية.
وبينما كنت أتأمّل غرابة الموقف، وردني تعليق من أحد القرّاء يقول فيه: ((تعجبني كتاباتك وصباحاتك وأمسياتك، وأقرأها بالتفصيل الدقيق)). توقّفت عند هذه الجملة قليلًا، وابتسمت. فوسط هذا الصخب، ووسط الإعلانات المتوالية عن موت القراءة، لا يزال هناك من يتذوّق الحرف، ويبحث عن المعنى، ويجد في النص الطويل متعة لا تضاهيها منشورات مختصرة أو مقاطع سريعة.
وأقولها للتاريخ: أنا أكتب لذاتي أولًا. الكتابة عندي ليست واجبًا ولا استجابةً لمقاييس السوق، بل هي حوارٌ هادئ بيني وبين نفسي. ما يخرج من هذا الحوار أحوّله إلى مقال، وأرسله إلى جرائد اليوم، وأنشره على (فيسبوك). أكتب لأنني أجد في الكتابة متعة خالصة، وراحة داخلية، ولأنني حين أضع نقطة في آخر السطر أشعر أنني تصالحت مع نفسي ولو قليلًا.
ومع ذلك، لا أنكر أنني أجد قرّاء أوفياء، يتفاعلون، وينقدون نقدًا بنّاءً، ويشجّعونني على الاستمرار. أجد من يهنّئ، ومن يناقش، ومن يختلف، ومن يشدّ على أيدينا كي نواصل هذا الطريق. ولهذا أقول: لا الكتابة ولّت، ولا القراءة انتهت، ولا المقال الطويل مات. ما ولّى هو الصبر العابر، وبقي شغفُ مَن يبحثون عن المعنى، وهؤلاء يكفون ليدفعوا القلم إلى المضي